الأب بطرس حداد


تخبرنا المصادر التاريخية أنّ آخر نكبات دير الربان هرمزد قبل تجديده عام 1808 كانت الحملة الشرسة لنادرشاه (طهماسب) القائد العسكري الفارسي الذي هاجم مدينة الموصل مرتين (في سنة 1732 و1743م) فاجتاح المدن والقرى والأديار، حيث قام بحرق الأديرة وخرّ رقاب الرهبان الأبرياء واستحوذ على جميع أملاكهم.

وبعد أن هُدمت الأديرة التي كانت تبلغ الثلثمائة عدًا، لم يبق للكلدان منها في منطقة نينوى إلا خمسة أديرة هي دير مار ايليا ودير مار كورئيل ودير مار ميخائيل ودير مار إبراهام المادي ودير الربان هرمزد.

أصبح دير الربان هرمزد مركزًا بطريركيًا في بعض السنين ثم أغلق. ويذكر المؤرخون أنّ الفترة التي توقفت الحياة الرهبانية في دير الربان هرمزد من يوم تأسيسه وحتى الوقت الحاضر بلغت زهاء ثمانين عامًا.

بعد ذلك، قدم رجل صادق الإيمان تمكن بمساعيه وجهوده المضنية وأتعابه الجمة أن يفتتح الدير، ويستجمع له من الرهبان ما يكفي لإعادة تلك الحياة الرهبانية التي كانت سائدة قبل حلول النكبات والمآسي بهذه المؤسسة العريقة.

وُلِدَ جبرائيل دنبو في ماردين سنة 1975م من أبوين هما شمعون بن بطرس دنبو و امه المدعوه شمس، نما الطفل جبرائيل في محيط معبق بروح الإيمان ومخافة الله، فكانت أمّه تهتم بتعليمه منذ نعومة أظفاره الصلوات القصيرة ومبادئ الديانة المسيحيّة. وعند المساء كانت تقص عليه وهو في فراشه قصصًا من الكتاب المقدّس. وعندما صار قادرًا على السير كان يرافق أمّه فيسيران أمام أبيه في طريقهم إلى كنيسة مار هرمزد فيدخلون إليها ويأخذون الماء المقدّس فيرسم جبرائيل على نفسه علامة الصليب ويذهب ليجلس مع الأولاد على السجاد بينما يجلس أبوه مع الرجال في مقدّمة الكنيسة وأمّه في المؤخّرة مع النساء. ويبدأ القدّاس بأنغامه الجميلة فيصغي جبرائيل إلى التراتيل الكنسيّة ويحاول أن يتعلّمها لأنّه يريد أن يصير شمّاسًا ويخدم في الكنيسة. وكان يرى المؤمنين يتقدّمون إلى باب الهيكل حيث يتناولون القربان الأقدس فكان يشتاق إلى الاشتراك معهم عندما يكبر.

عندما كبر جبرائيل في السن والقامة أرسله والده إلى المدرسة الخاصّة بالأولاد الكلدان وكانت تحتل غرفة واسعة من غرف حوش الكنيسة، يديرها أحد القسس بمساعدة شمّاس يداوم يوميًّا، ما عدا الأحد، يهتم بتعليم الأولاد مبادئ اللغة العربيّة كتابةً وقراءة، ويعنى أيضًا بتعليمهم اللغة الكلدانيّة والتراتيل الدينيّة: الطقسيّة والشعبيّة، والتعليم المسيحي.

بعد مدّة إختار الأب الكاهن المسؤول عن التعليم في مدرسة الخورنة بعض الطلاّب ومن بينهم جبرائيل بن شمعون بدأ يُعلّمهم مبادئ سرّي التوبة والقربان المقدّس: أي كيف يتقرّب الفتى المسيحي من منبر الإعتراف ويقر بخطاياه أمام الكاهن ويُصغي بانتباه إلى نصائح الأب المرشد، وكيف يقصد قصدًا قويًّا ألا يعود إلى الخطيئة. ثمّ كيف يكمل القانون الذي يفرضه عليه الأب المرشد. وكان هذا الفتى المبارك جبرائيل يشتاق إلى ذلك اليوم العظيم الذي به يحل يسوع في قلبه ويبارك حياته. فتعلّم كلّ الصلوات الخاصّة بهذه المناسبة وكان يُكرّرها أمام معلّمه ثمّ أمام أمّه في البيت التي كانت تهش له لإجادته تلاوتها.

هكذا كانت حياة جبرائيل فإنّه كان يحاول أن يحصل على المزيد من المعلومات فلا يكتفي بما يسمعه في مدرسة الكنيسة بل يطالع الكتب، خاصّة الكتب الروحيّة وسير القدّيسين؛ ويُخالط الكهنة والشمامسة ويُصغي إلى أحاديثهم وتعليقاتهم. وكان يداوم باجتهاد على صلاة الصباح الطقسيّة وعلى صلاة المساء ويُراجع مع أحد الشمامسة المتقدّمين بالسن والخدمة مختلف الصلوات الطقسيّة. وبدأ جبرائيل يلبس القميص الأبيض في القدّاس الكبير. دعا الخوري بعض الشباب ومن بينهم جبرائيل دنبو فقال لهم ان يستعدّوا لنيل الرسامة الشمامسية (القارئية ثمّ الرسائلية) بعد عيد القيامة في يوم عيد مار هرمزد شفيع الكنيسة.

كان جبرائيل يُفكّر بالحياة المكرّسة منذ سنوات صباه، ونمت فيه هذه الرغبة، لم يبح برغبته هذه لأحد. وعندما عرضت أمّه عليه الزواج أجابها بالنفي ولم يوضّح السبب، لا لشيء إلا لأنّه لم يتّخذ القرار بعد. مرّت سنوات أخرى وهو يجاهد من أجل إكتشاف دعوته، وعمل في هذه الأثناء في بيت دانيال طبيب في دياربكر، ثمّ السفر من حلب إلى ماردين ومنها إلى الموصل فبغداد، وأخيرًا إلى البصرة بصفة مساعد أو أجير للتاجر نعمة الله عبود. وفي كل هذه المدن كان يمكث أيامًا أو أسابيع ريثما يطّلعون على البضائع المتوفّرة في الأسواق وعلى اسعارها، لأنّ التاجر لا يتوقّف عند صفقة بل يسعى دائمًا إلى صفقات جديدة. وفي كلّ مرة يتوقّف فيها التاجر نعمة الله في هذه المدينة أو في أخرى، كان جبرائيل يذهب إلى الكنيسة ويحضر القدّاس ويتناول القربان ويحاول أن يلتقي بالكاهن فيطلب منه إرشادًا روحيًّا.

يُخبرنا مؤرّخ الرهبانيّة الأنطونيّة الكلدانيّة الأب إليشاع عن هذا الموضوع أنّ جبرائيل إذ كان في حلب كشف ضميره لأحد الآباء المرسلين العاملين هناك –ولم يذكر اسمه ولا اسم رهبنته- طالبًا منه أن يُرشده إلى الطريق الصحيح الذي عليه أن يسلكه، أي أن يدلّه إلى الرهبنة التي عليه أن ينتمي إليها. فلمّا لاحظ هذا الأب الفطن إستعداد جبرائيل الطيّب وجدّيته نصحه بالتريّث قبل إتّخاذ القرار وأضاف: “صلِّ يا بني من كل قلبك وعُد إليّ بعد أيام”. فذهب جبرائيل وعمل بنصيحة الباتري الموقّر فانعكف على الصلاة، ثمّ عاد بعد أيام إلى مرشده فسمعه يقول له: “لقد صلّيتُ من أجلك يا جبرائيل فألهمني الرب أن أُشجّعك على المضي قُدمًا في إعتناق الحياة الرهبانيّة. ونصيحتي لك أن لا تدخل في أية رهبانيّة قائمة، ولا تذهب إلى جبل لبنان، بل إذهب وأسّس رهبانيّة في طائفتك التي أمست تفتقر إليها وبذلك تُقدّم خدمة كبيرة للكنيسة، ونفوس عديدة ستحصل على فوائد روحيّة. بينما لو دخلت إلى إحدى الرهبانيّات القائمة ستكون الفائدة محصورة بذاتك لا غير”.

حدث لجبرائيل في البصرة ما لم يكن بالحسبان فقد وقع طريح الفراش وثقل مرضه ويُقال إنّه مرض الملاريا لكثرة المستنقعات والمياه الراكدة في تلك المنطقة في ذلك الزمان. لقد إعترته الحمّى وإرتفعت حرارته وأوشك على الموت. وكلّ الذين كانوا حوله تأسّفوا على شبابه وحزنوا عليه لأنّه يموت في ديار الغربة، وبمحبّة مسيحيّة عالية قدّموا له ما بوسعهم من خدمات للتخفيف من ألمه، لكنّ مرضه كان يثقل يومًا بعد يوم. وفي لجّة الألم رفع جبرائيل نظره إلى السماء وطلب من الرب أن يمنّ عليه بالشفاء حتّى يصرف ما لديه من القوى العقليّة والجسديّة ومن المواهب الطبيعيّة لخدمته تعالى فنذر من أعماق قلبه قائلاً: “أيّها الرب الإله إن شفيتني من هذا المرض الصعب فإنّي أُكرّسُ نفسي وجسدي لخدمتك…”.

وشاء الله بحكمته العظيمة ورحمته الواسعة أن يسمع إلى توسّل عبده المتواضع وأن يتقبّل نذره فمنّ عليه بالشفاء التام بينما كان المحيطون بسريره يتوقّعون موته بين ساعة وأخرى. وعندما شفي من مرضه واسترجع قواه فرح هو والذين كانوا معه ومجّدوا الله، فسافر إلى بغداد وهو عازم كلّ العزم أن يكمل نذره الذي قطعه على نفسه. والتقى هناك بالقس فرنسيس من قرية باقوفا الذي كان مقيمًا في بغداد وتعرّف عليه جبرائيل إذ أشار إليه هذا الكاهن أن يتخذ له دير الربان هرمزد القريب من القوش مركزًا لانشاء رهبنته. وتحقيقًا لهذه الغاية مَثُل جبرائيل بين يدي مار يوحنان هرمزد وهو من البيت الأبوي البطريركي، وطلب منه أن يسلّمه هذا الدير لكنّ مار يوحنا هرمزد عرض على جبرائيل أن يتخذ دير مار كوركيس الواقع شرقي الموصل أو دير أوراهام المادي أو دير مار ايليا السعيدي. أما جبرائيل فقد طلب دير الربان هرمزد، فرفض مار يوحنان هذا طلبه وقال له: “إنّك لن تستطيع السكنى فيه خوفًا من غزوات الأكراد ومهاجماتهم المتعاقبة”.

ولكنّ الحقيقة لم تكن كذلك وإنّما كانت خشية مار يوحنان من أن يكثر الرهبان في الدير ويستتب أمرهم هناك فيعودون ويدّعون بأوقاف وأملاك هذا الدير وقد كان أفراد عائلة مار يوحنان الأبوية يستثمرونها.

إلا أنّ ممانعة المطران مار يوحنان لم تكن لتغل من ساعد جبرائيل أو تثبط من عزمه، بل زادته تشوقًا إلى بغيته واهتمامًا للأمر. في عام 1808 ظفر جبرائيل بمرغوبه وذلك نتيجة توسط بعض أفراد الطائفة الكلدانية من الموصل والقوش فاستلموا مفاتيح الدير من حنانيشوع مطران العمادية وهو ابن عم المطران مار يوحنان هرمزد، لأنّ هذا الدير كان تابعًا لأبرشية العمادية.

ولما جلس جبرائيل في دير الربان هرمزد، أخذ يعيش عيشة نسكية بنشاط عجيب ويمارس أعمالاً متعبة شاقة ويواظب على الصوم والصلاة ليل نهار، فانتشر خبر افتتاح الدير بعد فترة وجيزة وتقاطر إليه الرجال وانضمّوا إلى رهبنته فأرشدهم وهداهم في سبيل الفضيلة والتقوى مدة ثلاث سنوات. ثمّ ألح عيه الرهبان إلحاحًا لا مرد منه في أن يقتبل الدرجة الكهنوتية، فاستجاب إلى طلبهم بعد تمنع منه، وهكذا تمت رسامته كاهنًا سنة 1811م على يد المطران شمعون الصائغ.

إنّ حادث تسليم الدير للرهبان قد أثار حفائظ عائلة البيت الأبوي كما أنّه كان على الضد أيضًا من رغبة يوحنا هرمزد. فعندما علم بتكاثر الرهبان وبّخ المطران حنانيشوع ابن عمه على ما فرط منه لدى إعطاء الدير إلى جبرائيل ورفقته، وأقنعه بخطأ ما فعل، وبيّن له سوء المغبة للعائلة الأبوية، فتغيّر عندئذ فكر حنانيشوع نحو الرهبان، وصار ينتهز الفرصة لاسترجاع الدير.

أوفد حاكم العمادية عددًا من رجاله المسلحين إلى الدير لإجراء التحقيق وتعقيب هؤلاء المتمردين، وكانت النتيجة أن كسرت ذراع الأنبا جبرائيل ثم طُرِدَ مع رهبانه من الدير وشُتِّتَ شملهم وسُلِبَت كل أمتعتهم ومن ثمّ زُجَّ بهم في السجن مدة ثمّ أطلق سراحهم فاجتمعوا في كنيستي مار كوركيس ومار ميخا لانتظار النتيجة. وأخيرًا وبعد معاناة انقشعت الغمامة وفُتِحَت أمامهم أبواب النجاة، إذ صعدوا ثانية سنة 1812م إلى ديرهم وسكنوا فيه.

ولما ازداد الرهبان وجاوز عددهم الخمسين راهبًا اختار الانبا جبرائيل بعضًا منهم لدرجة الكهنوت وأربعة منهم لرتبة الأسقفية وهم الأساقفة باسيليوس أسمر واغناطيوس دشتو ولورنسيوس شوعا ويوسف اودو. كما أنّه أرسل كهنة عديدين إلى المدن والقرى ليعظوا ويتلمذوا أبناء الطائفة الكلدانية.

وفي سنة 1827م تأهب جبرائيل دنبو للسفر إلى روما بعد أن أقام وكيلاً عنه في الدير الأب حنا جرّا الالقوشي، فنال الأب جبرائيل حظوة كبرى لدى البابا بيوس الثامن ولدى المجمع المقدس، وبعد مكوثه هناك ثلاث سنوات زودوه برسائل مهمة تؤول إلى سلامة الرهبنة وتثبيتها تحت قانون مار أنطونيوس الكبير.

وفي 15 آيار 1830م عاد جبرائيل من روما مستبشرًا بالنجاح، فوصل بغداد في اليوم الخامس من تشرين الثاني 1830م، وأعطى الرسائل المذكورة للسيد بطرس كوبري المطران اللاتيني في بغداد، وهناك مكث سنتين ثمّ أتى إلى القوش سنة 1832. فاستقبله رهبانه الذين لاذوا بالفرار خوفًا من

في يوم الأربعاء 15 آذار سنة 1832 قدم محمد باشا أمير راوندوز المعروف بميركور (الأمير الأعور) بمهاجمة الموصل وأطرافها وقتل كثيرًا من الايزيديين والمسيحيين ثم أقبل إلى القوش وحاصرها بجيشه الجرار. إنطلقت أصوات مخيفة فوق قمّة الدير، ونظر الهاربون فرأوا هناك معسكرًا عظيمًا من المحاربين، فتقدّمت سريّة من الفرسان لتكشف المواقع في الجبل وعلى القمم المطلّة على القرية، وأمّا السكّان الفارّون من القرية فأخذهم الرعب والإنذهال من كثرة المهاجمين وصاروا يتشتّتون من دون إنتظام ويتفرّقون في الوديان وعلى التلال وبنادق الجنود المهاجمين تمطرهم بوابل من الرصاص من المواقع المرتفعة المسيطرة فكانوا يتساقطون في الوديان. مكث الأب جبرائيل جاثيًا على الأرض وقد أحاط به بعض الاخوة الرهبان الذين رفضوا الإبتعاد عنه، وهم: الأخ أوغسطين والأخ ايشوع كساكو والأخ يوحنا من أهل بيرسفي، وركعوا يُصلّون الورديّة، وسمع الأب جبرائيل نحيب النساء وعويل الأولاد فقام وأشار إلى الجموع بالسكوت والإشتراك مع الاخوة الرهبان بتلاوة الورديّة لكي تقف العذراء “سلطانة الشهداء” إلى جانبهم في ذلك الموقف الصعب فتسند إيمانهم لئلا يخوروا وينكروا إيمانهم المسيحي. ودعاهم للإستسلام لإرادة الله، وحثّهم على الندامة ثمّ أعطاهم الحلّة العموميّة من أجل الثبات على الأيمان بالمخلّص يسوع حتّى اللحظة الأخيرة من حياتهم.

ركع الأب جبرائيل إلى جانب اخوته الرهبان، وركعت الجماعة معهم، ثمّ رفع ذراعيه على شكل صليب وأنظاره متّجهة إلى السماء وبقي يُصلّي بحرارة وتقوى ملائكيّة. ولمّا تقدّم منه الجنود هجموا أوّلاً على الرهبان الثلاثة فنحروهم كما تُنحر الخراف أمام عيني الأب المؤسّس وكان يُصلّي بحرارة لكي يثبت هو وكل اخوته في هذه الساعة العصيبة، وكان يتمتم: بيدك يا رب أستودع روحي، بيدك يا رب أُسلّم اخوتي الرهبان الأعزّاء، بيدك يا رب أضع ديرنا ولتكن إرادتك.

حينئذ تقدّم منه أحد السفّاحين الذين أحاطوا به، ودعاه إلى إعتناق الإسلام ليخلص، فرفض  فهجم عليه وطعنه بالخنجر في صدره، وتلك كانت علامة لرفقته بأن يُمزّقوا جسد الشهيد الطاهر بالسيوف والخناجر، وهكذا أثخنوه بالطعنات، ولم تمض غير دقائق قليلة حتّى لفظ روحه البارّة فطارت إلى السماء وشفتاه تتحرّكان بالغفران لقاتليه على مثال معلّمه الإلهي.

شاء الرب أن يُظهر عجائبه في إستشهاد عبده الأمين وذلك أنّ الشقي الذي طعنه بيده فقتله يبست في الحال تلك اليد الآثمة وصار يرتجف وفمه يزبد. ولمّا رأى رفاقه حالته الكئيبة سألوه: ما بك؟ قال: حينما ضربتُ هذا الرجل اللابس الأسود “ربّانا” شعرتُ وكأنّ يدًا خفيّة ضربتني في الحال، وها أنا مائت بخطيئة هذا الولي، وصار يضرب نفسه ويصرخ كالمجنون. وفي يأسه صار يأخذ من دم الأب جبرائيل المسفوح على الأرض ويدهن به اليد اليابسة، وإذا بها تستعيد طراوتها وشفي جسمه كلّه، فذهب يقرع صدره ندمًا.

دُفِنَ الأب الجليل بإحتفال يليق بالشهداء الأبرار في كنيسة مار ميخا بالجانب الشمالي من الإيوان الكبير الذي كان سابقًا المصلّى الصيفي. وصار ضريحه ملجًأ روحيًّا للمؤمنين سنة 1832م.

بعد أن إستتبّ الأمن في منطقة دير الربّان هرمزد على أثر الصلح بين والي الموصل وباشا العماديّة عندئذ إجتمع الرهبان وعادوا إلى ديرهم وشرعوا يلملمون جراحهم ويُصلحون ما تهدّم من الدير لكي يعودوا فيسكنوا فيه ويستقبلوا دعوات جديدة، فالحياة لابدّ أن تستمر والرهبانيّة لا بدّ أن تُكمل مسيرتها. وشعر الرهبان بالفراغ الكبير الذي خلّفه الأب المؤسّس جبرائيل دنبو، وعندئذ فكّروا باسترجاع جثمانه الطاهر ليرقد بينهم وفاتحوا أهل القوش فامتنعوا للوهلة الأولى وقالو: “رقد هنا رقدته الأخيرة فليبقى معنا”، لكنّ الرهبان ألحّوا في مطالبتهم وأسند طلبهم بطريرك الطائفة ومطارنتها

وورد خبر نقل رفاة الأب جبرائيل في “حوليات الرهبانة الهرمزدية” بالصيغة التالية: “في 21 تموز 1849م وهو الأحد السابع من سابوع القيظ، أتينا بعظام الأب حنا والأب موشي من العمادية، وأخرجنا عظام أبينا جبرائيل من القبر المدفون فيه في كنيسة مار ميخا في القوش، واجتمع شعب القوش برمته، وأصعدنا العظام بوقار ووضعناها بقبر متميز في الهيكل الكبير، وعظام كل واحد من الآباء الثلاثة في صندوق خاص مكتوب عليه: هذه عظام فلان”.