مقال نشر في مجلة ربّنوثا السنة التاسعة – العدد 29 – حزيران 2004

مفهوم الأيقونة

يمنح التقليد في الكنائس الشرقية مكانا مرموقاً للتأمل أمام الأيقونات. وتعني كلمة أيقونة (Icone) الشبه في اللغة اليونانية، وتشير الى الرسوم التي تخضع لقوانين تقنية، وللجمال الفنّي وللصوفية. وتستخدم ليس كأدوات تقوية حسب، بل كوسائل للتعبد في الطقوس الليتورجية الجماعية، وأثناء الصلاة في الأسرة. ليس الهدف من استخدام الايقونة التعبير عن أحاسيس وحالات نفسية، بل إظهار حياة شركة وألفة بين المصلي والله. كما ليست الأيقونة صورة مقدسة من شأنها أن توجّه مخيلتنا أثناء الصلاة، بل أنها تتحلى بطابع السرّ المقدس (sacramental) وتشع منها قوة لتعزّي، وتحمي، فينال المصلي بالقرب منها المزيد من النعم.

ويُشبه رسم الأيقونات الكرازة بالإيمان، يكتب أحد المؤلفين:

“عَلِّم بالكلمات، وأكتب بالحروف، وارسم بالألوان، وفقاً للتقليد. إنَّ رسم الأيقونة حقيقي مثل الكتب المقدسة في الكنيسة، لأن نعمة الله في داخلها؛ وما تمثله قدوس”.

ومهما يكن من السمات المقدسة التي تتحلى بها، فالأيقونات الأكثر قدما، تعرضت لمزيد من المنازعات، فالقسم الأعظم منها أبيد واحرّق، إبان الحركة اللاأيقونية (Iconoclame) في القرن الثامن الميلادي
(726م). إلا أن القديس يوحنا الدمشقي برر استخدامها إنطلاقاً من مفهوم سرّ تجسد ابن الله، فيكتب في هذا الشأن:

“متى تشاهد ذلك الذي لا جسد له يُصبح إنساناً من أجلك، بإمكانك أن تنجز ما يمثل شكله البشري. وعندما يلبس اللامنظور الجسد ويصبح منظوراً آنذاك تستطيع أن تمثل صورته. إرسم واعرض على مرأى الكل ذلك الذي أراد أن يتجلّى”.

وفي الممارسات الطقسيّة، تحمل الأيقونات أثناء التطواف، فيبارك بها المحتفل الحاضرين. وفي التقوى الشعبية، تستخدم الأيقونة كوسيلة بين الليتورجيا والحياة. لذلك، تدعى كل أسرة الى امتلاك مقدسٍ صغيرٍ في البيت، يطلق عليه “الركن الجميل” حيث يجتمع أعضاء الأسرة للصلاة معاً حول الأيقونة المحاطة بشموع وورود. فيكون المكان مقراً يشع منه حضور يعجز عنه الوصف.

ومن يقدم على رسم الايقونة، لا بدّ أن يكون ذا موهبة ومتمرساً في هذا الفن، إلا أنّ ذلك ليس كافيا، فهو يرسم تحت إلهام الروح القدس، ويستعد لهذا العمل بالصوم والصلاة، ويرتل أثناء تنفيذ الرسم أنغاماً ومزامير، لكي تكون خدمته هذه موسومة بطابع التسبحة. وكان فرا إنجيليكو (Fra Eingelico) متمسكاً بتطبيق هذه الالتزامات، ويكرر القول: “من يعمل من أجل المسيح، عليه أن يقف إلى جانب المسيح”. والرسام الأكثر شهرة عالمياً بين رسامي الايقونات، هو أندري روبلوف (+ 1430) (Andre Rouble) صاحب ايقونة الثالوث الأقدس، المعروضة حالياً في زاغورسك (Zagorsk) الروسية، وقد اطلق عليه فرا انجيليكو الروسي.

ليست الأيقونة تمثيلا لشكل واقعي، بل هي رؤية متجلية، كما أنها لا تُمثل ملامح وجه، بل هي أنموذج للبشرية القادمة. فالأيقونة الأصلية هي المسيح، وهو الذي يكشف عن وجه الله في سرّ التجسد، والروح القدس الذي ينعش فينا هذه الصورة، “ايقونوغراف باطني” وقد ظهـرت حركة في انـتشار الأيقـونات

واستخدامها في الآونة الأخيرة في الصلاة والتأمل[1].

التأمل أمام الصورة

إن التأمل الذي نحن في صدده، ليس متوقفا على البحث عن أفكار وخواطر، بل هو السير نحو الأعماق، توقا إلى الاستقرار في الراحة والاتحاد مع الموضوع الذي نتأمله. هذا التأمل البديهي متوقف على تطبيق يسنده الروح، فيتغلغل إلى أعماق القلب. وبالفعل، يتحدث القديس يوحنا الصليبي عن هذا النوع من الـتأمل عندما يدعو ناصحاً الوقوف بإنتباه وبنظرة حبية أمام الله، والاستسلام الى الطمأنينة (الارتقاء إلى الكرمل:
(La Montee du Carmel II C12) يركز الانتباه الى نقطة واحدة، وتجنب كل شكل من الثرثرة الداخلية، وكلّ اضطراب من الرغبات.   

1)  التدرب على تركيز الفكر

ويعني ذلك، جمع القوى الداخلية نحو شيء معيّن، فيحصل المتأمل على هدوء الروح، ويكفُّ عن التنقل بالأفكار كالفراشة بين وردة وأخرى.

إلا أن الطياشة تحدث ضرورياً، ومن المفضل، والحالة هذه، عدم الجدوى من مقاومتها، بل تركها بين ذهاب وإياب. يركن القسم الروحي إلى الهدوء والراحة، منتبهاً إلى موضوع التأمل، في حين أن القسم الآخر معرض للتشوش والطياشة. فالقسم المنتبه يرى إن شرود الذهن يمتنع عن التشخيص عليها، فيرجع إلى التأمل بكل هدوء مراراً وتكراراً متحليا بالصبر.

2)  التدّرب على تشخيص النظر والاستسلام للصمت

ولئن ركزّت نظرك على صورة تقوية، أو وجه أو زهرة، الخ، ستعاين لا محالة، أنك ممتليء من الأفكار والكلام. وأنك بالفعل، لست تعاين الصورة أو الزهرة، بل الأفكار والكلام التي لها علاقة مع الصورة والزهرة.

وحاول النظر من جديد، متجنبا كلّ شكل من الثرثرة الداخلية، واحتك مباشرة مع الفكرة المنشودة. واختبر في ذاتك دون الانقياد إلى الطياشة بفكرك. وأنظر كأنك تكتشف شيئا للمرة الأولى، دون إعطائه اسما. واضعاً حداً لكل ما يقف عائقاً. فيتقرب منك الموضوع تدريجياً، ويتغلغل في اعماقك، لأنه لم يعد يصادف الحواجز التي تتكون من أفكارك الخاصة. فلن يبقى شيء يفصل بينك وموضوع التأمل. إنك تختبر اختباراً كاملا للموضوع الذي تتأمله. ولن يبقى شيء للكلام، بل الاكتفاء بالنظر فقط. فترى نفسك متحداً ومنصهراً في الشكل الذي تراه.

إن التأمل حسب هذه الطريقة البديهية، يحاول القضاء على عالم يقف عائقاً مع الواقع. وفي علاقاتنا مع الله، تعدّ هذه الطريقة أساسية. إن أفكارنا وخواطرنا عن الله غير قادرة أن تتحدنا بالله. لقد فهم ذلك القديس يوحنا الصليبي بنبوغ، وعلمها ببراعة فائقة، عندما دعا إلى المثول أمام النور الإلهي، دون البحث عن أنوار ملموسة، أو معرفة أو أشكال من الخطابات.

حاول النظر حسب هذه الطريقة، متجنباً الاعوجاج مع أفكارك الخاصة، وأحاسيسك الشخصية، وخبراتك الماضية، وأحكامك المسبقة. حاول إسكات هذا العالم الداخلي الذي يمنعك من الدخول في الموضوع الذي تشخص النظر إليه. تعاين أن التغيير الحقيقي فيك يمرّ من خلال هذا الصمت المشبع بهذا النظر.

(أ) الصلاة مع الايقونة تكتمل أولاً في الصلاة مع الروح القدس، تُرسم الايقونة بالألوان تحت إلهام الروح القدس، وتوجهنا دائماً إلى المسيح وإلى وجهه الممتليء جمالا إلهياً، وعلى سره المعروض لنا في كلّ جوانبه. ومن خلال الصور المرسومة نكتشف الأيقونة الأساسية التي هي المسيح، يكشف لنا عن وجه الله. أما الروح القدس الكاشف عن المسيح، هو “الرسام الباطني” الذي يرسم فينا صورة المسيح، ليجعلنا شبيهين بصورة البكر لمجموعة من الأخوة (روما 8/29).

كان المؤمنون في العهد القديم يتلهفون شوقا ليروا الله، إلا أنهم لم يتمكنوا من الحصول على ذلك. وانطلاقا من تجسد الكلمة، نستطيع ان نتأمل مجد المسيح في وجه يسوع الإنساني. وفي العهد الجديد، يرافق النظر غالباً الكلمات، وحوار المصلين مع المسيح. هكذا حدث لمريم، وللرسل، وللسامرية، والمولود اعمى والمجدلية… وفي التأمل في الصورة الخارجية، ينطبع فينا التشابه الداخلي، إن صورة المسيح مطبوعة فينا كأنموذج من الروح القدس.

(ب) وإذ نتأمل في الأيقونات، نصلي مع الكنيسة، أحبت الكنيسة دوماً الصلاة مقرونة بالصور، ومنذ عهد الدياميس رسمت فيها مشاهد إنجيلية تمثل الرجل المقعد، سجود المجوس، البشارة، العشاء الأخير، وصور مختلفة عن المسيح والعذراء.

تجيب الصورة إلى المعنى الذي ينتظره شعب الله تلقائياً. بالإضافة إلى ذلك، تُعدّ الأيقونة في التقليد الشرقي حضوراً سرياً وللسرّ الذي يمثله. كما تحبّذ اللقاء بين الاشخاص، واستقبال الحضور الداخلي، وتدعونا إلى استقبال سرّ الخلاص في مختلف جوانبه.

(ج) وفي المواظبة على هذا الشكل من التأمل، يسهل علينا الانطلاق لمخاطبة الإنسان المعاصر، وننقل اليه البشرى الآتية من الله لإرواء عطشه إلى الجمال في الحياة، كما ندعوه الى أن يتذوق جمال الله الذي يشع نوراً على وجه المسيح، ليستخدم معنى لفهم الشخصية، والذوق لفهم معنى العلاقة البسيطة والعميقة معاً يعبر عنها في النظر. وان يتذوق الرغبة في التمسك بالصدق في التقاء مختلف الناس.

كما ان التأمل مع الأيقونة يساعد المزمع على التركيز في وسط التشتت النفسي، استعداداً للارتباط بعلاقة مع الله، ويكون قادراً على العيش في الصمت، فيتدرب على اقتناء النظر البسيط إلى الله المليء بالحب. وأخيراً يتعلم أن يكتشف صورة المسيح في الآخرين، ويقدم لهم الخدمات.

(د) وأخيراً نتدرب على مزاولة الصلاة التأملية، كما علمته القديسة ترازيا الافيلية، فهي التي تعلمت الصلاة في استخدام الصور، وفي البيت الوالدي كانت اللوحة التي تمثل السامرية معلقة على الحائط، أعطتها العطش الى الماء الحي، والدخول في حوار مع الله. وقد اكتسبت حساً لاهوتيا: إنَّ الله لا يعطي لنا ذاته مباشرة بل يأتي إلينا من خلال وسائط، مثل الطبيعة، الحوادث، الكلمات، الحضور السري في الافخارستيا. فالتأمل مع الصورة، ليس الا طرقاً تربوية لتبادل النظر مع الله، وهو الذي ينظر الينا. وتكتب القديسة عن خبرتها قائلة: “ليس التأمل الروحي سوى تبادل النظرات، نبقى بالقرب منه، وننظر الى الذي ينظر إلينا” (سيرة الحياة 13/22).

التطبيق: تمرين تكوين الصورة في ملامحك في داخلك

إن اختيار الصورة لتزين بها غرفتك، تحظى بأهمية روحية بالغة. فهي تعكس رمزياً ما في داخلك، وتكشف عن ماهو ثمين ومهم لديك، وتنطبق بما ترغب

في أن تكون.

قد تحتاج الى مراجعة اختيار الصور المفضلة لديك لتزّين غرفتك وفي المساء قبل الرقاد، حاول تركيز النظر في إحدى هذه الصور، ودع ملامحها تتغلغل في اعماقك. ثم اغلق العينين، وحاول رسم هذه الملامح في الصورة، بما فيها من تفاصيل وتعابير وألوان، ثم افتح عينيك ثانية، وبعد فترة وجيزة أغلقها، ونم مطمئناً.

هذا التمرين، سيفتح لك فضاءً روحياً رائعاً، من شأنه أن يساعدك على مزاولة التأمل، إنها طريقة بسيطة للتدرب والنـزول إلى الأعماق في عالم الروح.

الأب يوسف عتيشا الدومنيكي


[1]  نشرت مجلة الفكر المسيحي مقالات عدة حول موضوع الايقونة سنة 1979.