يكشف لنا التاريخ أن جميع الحضارات كانت توّاقة من أجل تحقيق السلام العالمي وكل الحروب التي عرفناها كانت من أجل تحقيق وحدة وسلام العالم، إلا أن كل هذه الحروب وجميع اتفاقيات السلام العديدة التي وقعت منذ بدأ التاريخ كلها باءت بالفشل، لأن السلام لا يمكن أن يفرض من الخارج، السلام هو في الداخل، وأن السلام العالمي يبدأ بالسلام الفردي. الفرد هو وحدة المجتمع، وعندما ينعم الفرد بالسلام الداخلي يعم السلام العالمي تلقائيا.

السلام هو هبة الله للإنسان، وهو الدليل الأكيد على حضوره في قلب الإنسان. الله وحده قادر على أن يعطي السلام لأنه مصدر السلام، ففي قلب الله يسكن الروح القدس، روح التواصل والتفاهم والعطاء الكامل والمتبادل بين الآب والأبن.

علّم يسوع الناس إظهار المحبة والتسامح في علاقاتهم مع الآخرين وعلى الرغم من أن الناموس اليهودي كان يسمح بالأخذ بالثأر في حالة الإساءة بموجب “العين بالعين والسن بالسن” إلا أن يسوع دعا أتباعه إلى الحب الباذل المتألم. لقد أوصاهم ألا يردوا الشر بالشر بل أن يردوا على الشر بأسلوب خلاق فريد وليس بالعنف. بل وإن ضُرب أحد على خده الأيمن فعليه أن يفعل الأمر غير المتوقع ألا وهو تحويل الخد الآخر أيضاً، وإذ طُلب من أحد أن يحمل حملاً لميل واحد فعليه أن يحمله ميلين وليس واحد فقط، لقد طلب يسوع من أتباعه أن يتصرفوا بأسلوب مُحب ومُتسامح حتى مع أعدائهم والذين يسيئون إليهم (متى 5: 38-48). وقد أوضح يسوع نفسه لنا كيف تكون محبة الأعداء حين كان معلقاً على الصليب وطلب من الله الآب أن يسامح صالبيه (لوقا 23: 36).   

والإنسان إذا عاش بالروح نفسه، صار إبناً لله، وإذا عمل من أجل السلام بين الناس، دُعي ابناً لله. وتبدأ مسيرة السلام في قلب الإنسان عندما يكتشف المتناقضات في داخله، بين الرغبة في النمو الذاتي والغيرة من الآخرين. بين فهم قيمة الوداعة والأعتقاد بأهمية القوة والسلطة في المعاملات مع الناس. وتتواصل المسيرة عندما يعترف الإنسان بوجود قبول الآخر لبعض الأشخاص نظراً إلى إختلافهم عنه بالفكر والطبع والعقائد، يكتشف الإنسان في داخله مشاعر العنف تجاهه وبالأخص تجاه من أساءوا إليه وجرحوه، راغباً في النيل منهم وردّ الضربة بأشدّ منها.

فطريق السلام يبدأ حين يقبل الإنسان ذاته بكل ما فيها من جميل وقبيح، واثقاً بأن الله يحبّه كما هو ويدعوه إلى التصالح مع نفسه وتاريخه وصعوباته، غافراً له خطاياه، ومانحاً إياه النعمة لتخطي نزاعاته الداخليّه بألمها وجروحها. وحينئذ يفهم الإنسان ان الله يدعوه إلى مسيرة قبول للآخرين بإختلافاتهم، ليعمل على خلق جسور تقابل وتفاهم بين الناس، فلا يتحول الأختلاف إلى خلاف، ولا يصبح العنف أبداً حلاً للخلافات.

وتعني مسيرة دخول خبرة لقاء الآخر المختلف عنا، ومحاولة فهم دوافعه وإختياراته، من دون التواطؤ مع تلك الخيارات الخاطئة أو الظالمة. وقبل كل شيء، تعني مسيرة السلام الإيمان بأهمية الآخر لحياتي، وأن وجوده هو إثراء لشخصي ولإنسانيّتي، وبدونه تصير حياتي ناقصة.

طريقنا الإنساني هو في أن نتحول إلى أبناء الله، أي تتحول أفكارنا ومشاعرنا ومواقفنا لتشبه تلك التي كانت في يسوع. ولن يسعنا أن نكون ساعين إلى السلام والتفاهم والتصالح بين الناس إلاّ بالتأمل في شخصه وكلماته وأفعاله، وبفضل صلاة ملحّه لنيل نعمة السلام في قلوبنا ومع ذواتنا ومع الاخرين.

في قيامة يسوع من الموت أظهر الله بشكل قاطع ونهائي أن الخير يغلب الشر وأن المحبة تنتصر على العنف. إن القيامة هي الدليل القاطع على رفض يسوع للعنف. فلم يعد يهم مدى مكر قوى الشر والعنف وسطوتهما في العالم حيث أن القيامة هي ضماننا الأكيد وأن طريق المحبة والسلام يغلب في النهاية.

الأب يوسف يونو عجم الراهب