الواقع ديره في جبل القوش

نود أن نسلط الأضواء على هذه المناسبة والاحتفال بها، وأن نسترعي إنتباهكم بأن هنالك عدّة قدّيسين يحملون إسم هرمزد في تاريخ كنيستنا العريق (راجع: شهداء الفرس، الأب منصور المخلصي، بغداد 2012)، سنستعرض لكم أدناه أربعة من أهم وأشهر القديسين الذين يحملون الاسم هرمزد:

1.    الشهيد هرمزد الفارسي من القرن الخامس (سنة 470م تقريباً) ويقع تذكاره في الثامن من شهر آب بحسب التقويم الروماني، إذ يعتبر أحد القديسين في الكنيسة الكاثوليكية جمعاء. في أعقاب مجمع ديامبر المنعقد في الملابار – جنوب الهند عام 1599 (القانون 10 الجلسة 2): قاموا بتغيير اسم شفيع الكاتدرائية الذي كان باسم “الربّان هرمزد” والذي يرتبط اسمه بالنسطورية، إلى اسم يُجانسه لفظاً وهو الشهيد هرمزد للابتعاد عن كل ما يمت بصلة الى النسطوريّة. وبدءً من هذا التاريخ ابتدأ الخلط بين الاسمين ونجد اشارات لدى بعض من الكتاب الذين يشيرون الى الربّان هرمزد كشهيد خالطين الاوراق ببعضها قاصدين أنه شاهد لله وليس شهيداً! (راجع: آشور المسيحيّة، ج2، الأب جان فييه الدومنيكي، ت: نافع توسا، بغداد 2011)

2.    الشهيد مار آذور هرمزد (استشهد يوم 25 نيسان 448) وله ابنة شهيدة اسمها أناهيد (حدد لها تذكاراً في التقويم البطريركي لهذه السنة يوم 17 حزيران). وتذكار هذا الشهيد بحسب كتاب الحوذرا الكلداني هو في الإثنين الثالث بعد عيد القيامة مع رفيقه الشهيد مار بثيون. يُحتفل خطأً في هذا اليوم بتذكار الربّان هرمزد الذي لا يذكر اسمه مطلقاً في الحوذرا! بعد سنين من العمل التعاوني والتنسيق المتواصل مع المعنيين على تنظيم التقويم البطريركي الكلداني قدمنا أكثر من مرة طلباً لتصويب هذا الخطأ وتعيين يوم 1 أيلول عوضاً عنه، وفي هذه السنة تم قبول المقترح مع الابقاء المؤقت لهذا التاريخ كـ:”موسم” اختياري متعارف عليه لأنه خطأ شاع فاصبح قاعدة! علماً بأن الرئاسة العامة للرهبنة الأنطونيّة الهرمزديّة الكلدانيّة قد أصدرت كتاباً طقسياً مطبوعاً، يحتوي على تذكارات شفعاء الرهبنة باللغتين السريانية والعربية مع التواريخ التي نحتفل بها رسمياً في رهبنتنا الكلدانيّة: (مار أنطونيوس 17 كانون الثاني – خادم الله الأنبا جبرائيل دنبو 15 آذار – الربّان هرمزد 1 أيلول)، على أمل أن تُضم هذه الصلوات الطقسية في كتاب الحوذرا في الطبعة الجديدة القادمة مع التواريخ المصوّبة.

3.    نضيف ههنا قديس آخر وهو البابا هرمزد من فروزينزني المتوفى سنة 523م والذي يقع تذكاره في السادس من شهر آب.

4.    الربّان هرمزد المتوفى سنة 640م تقريباً وهو مؤسس الجماعة الرهبانيّة المكناة باسمه في ديره المشهور بجبل القوش. فيما يلي نعرض أهم ما يقدمه لنا الأب جان فييه في كتابه المشار إليه أعلاه بخصوص الاحتفال بتذكار الربّان هرمزد:

  • هناك مخطوطة خاصة بالصلاة الفرضية يُذكر فيها اسم الربّان هرمزد كمنظّم لمدراشٍ يُرتل في يوم تذكار الآباء القديسين الذي يصادف عادة يوم الجمعة السابعة من سابوع الدنح.
    • يُحتفل بعيده مرتين في السنة المرة الأولى يكون الاحتفال يوم الأثنين الثالث بعد القيامة، والمرة الثانية يوم الخامس عشر من شهر آب.
    • رغم كون الربّان هرمزد راهب نسطوري، نراه يتمتع بصفة “القديس” حتى في الوثائق الرومانية، ومنذ الموافقة الرسمية على الاعتراف بالرهبان الكلدان كرهبان قانونيين ولا زال هذا الاعتراف نافذ المفعول حتى يومنا هذا. من المحتمل أن صدور هذه الموافقة هو لحل اللغز والتمييز بين المؤسس والشهيد.
    • إن مثلث الرحمة المطران أدي شير الذي درس التقويم النسطوري ونقحّه جعل الأثنين الثالث بعد القيامة- المخصص للاحتفال بعيد الربّان هرمزد- يوم تذكار الشهيد “آذورهرمزد” هذا الإجراء يعتمد على نصوص المخطوطات النسطورية نذكر من بينها مخطوطة الحوذرا الموجودة في كرمليس والتي يرجع تاريخها إلى عام 1727.
    • بعد مرور مائتي سنة على وفاة الربّان هرمزد، أي أن نقفز من منتصف القرن السابع إلى منتصف القرن التاسع، حيث في هذه الفترة ستتوفر لنا المعلومات الضرورية. في هذه الفترة أي لأن حينذاك حصلت معجزة شفاء أعمى بشفاعته، هذا الحدث توجب تخصيص تذكارٍ ثاني له ضمن الصلاة الطقسية النسطورية (راجع تقويم أورميا لعام 1841 وتقويم الملابار لعام 1956 …إلخ). يحتفل به في اليوم الأول من شهر أيلول في كل عام. تحقيقاً لهذا الإجراء، تم تنظيم “عونيثا” جديدة نجد نصّها ضمن مؤلفات وردا، وترتل خلال الصلاة الطقسية يوم التذكار.

من كل ما سبق ذكره أعلاه، وفي البحث في تاريخ كنيسة المشرق ومحاولات اتحادها بكرسي روما، نستقرأ كيف ان كنيستنا الكلدانية قد أقدمت على العديد من التغييرات في صلواتها الطقسية وتواريخ الاحتفالات بقديسيها وحذفها لبعض من الاسماء والصلوات …إلخ. اليوم وبعد الاعتراف الرسمي برهبنتنا ومسماها (الرهبنة الانطونيّة الهرمزديّة الكلدانيّة) أُعترف ضمنياً بالربّان هرمزد كقديس وليس هنالك من داعٍ لاخفاء عيده وضمّه مع من يشابهه بالأسم! كل أيام السنة صالحة للاحتفال بتذكار شفيعنا، لكن تاريخ اجراء المعجزة 1 أيلول هو الانسب وهو أيضاً مثبت في حوذرا وتقويم كنيسة المشرق الأثورية، فيصبح تذكاره ذا رمز وحدوي أيضاً.

لتكن صلاة الربّان هرمزد شفيعة لنا عند الله أبينا ليبعد عنّا شرّ البلاء والداء.

 التحديات والهيكليات والممارسات الخاصة بالاتصال الرقمي

المقدمة

لماذا نتحدث عن الكنيسة والتواصل؟ قد تبدو الإجابة شبه واضحة على الرغم من مناشدات البابا فرنسيس للكثير من الذين لا يزالون يطالبون بـ “الكنيسة المكانية”، المتكونّة من المذبح والجدران. من ناحية أخرى، نحن نعيش في مجتمع متنوع الاتصالات، لا تستطيع الكنيسة المرسلة بطبيعتها أن تبقى مشاهدة فقط.

يعتبر هذا الموضوع حافزاً للتفكير والتخطيط لمكتب الأيبارشية للتواصل الاجتماعي، ليكون مكاناً للتنسيق والتواصل والحوار. إن نشاط المكتب لا يهدف ببساطة إلى تحسين نقل المبادرات والنشاطات ومواعيد الأيبارشية فقط، لكن تفضل المشاركة المثمرة للمواد والاقتراحات والممارسات والنشاطات الجيدة بين  الجماعات الكنسية. علينا ان نعي أيضاً أن التواصل الكنسي ليس مخصص فقط للمحترفين ولكنه موجهه لجميع أولئك الذين يؤمنون أن التواصل هو جوهر الحياة، وفرصة للمشاركة الأخوية، والاستماع والصمت الإنساني.

التواصل الجديد

في العقدين الماضيين اتسم السياق التواصلي بنوع من “التحول الإعلامي”، ومن خلال عملية الرقمنة، تم توحيد ما يعرف بأنه “حالة ما بعد الوسائط”1. لكن ما هو هذه الإعلام؟ إنه أكثر من مجرد أدوات، إنه “انعكاسات بشرية”، وعندما نتحدث عن وسائل الإعلام بمعنى ما فإننا نتحدث عن أنفسنا. لذلك، بدلاً من تحديد مفهوم “الإعلام”، من الضروري فهم طبيعة الرابط الاجتماعي “بين وسائل الإعلام والإنسان”، لكي نُدرك أن “وسائل الإعلام ليست هي التي تغير الإنسان، بل الإنسان هو من يتدخل فيها، من خلال “استخدامها” باعتباره انعكاسًا للفرد لأي حالة وحاجة. وبالتالي، فإن وسائل الإعلام هي “إسقاطات بشرية”، أي مشاريع الإنسان، بمعنى أن الإنسان هو من يُسقط نفسه فيها أي يبرز نفسه فيها.

لذلك، إذا كانت “الإنسانية هي التي تُظهر نفسها في وسائل الإعلام” فيجب علينا أن نفترض “بأننا نحن وسائل الإعلام”2 وإذا كان الإنسان تواصلياً، فقد أصبحت الكنيسة وعملها الراعوي بأكمله أيضاً تواصلي.

لهذا أصبح التواصل الكنسي كـ “تأمل لاهوتي راعوي” متاح لجميع أولئك الذين يؤدون خدمة في الأيبارشية في مجال التواصل.

اليوم هناك إقتناع بأن هذا التحول التواصلي بالنسبة للكنيسة يعتمد على الحدس التفسيري لـ “الإنسانية الإعلامية” ومن خلال:

  1. الربط الصحيح “بين وسائل الإعلام والإنسان”، فقد أصبح من الممكن تفعيل خدمة راعوية حقيقية في السيناريو الرقمي.
  2. ليس من الممكن اليوم إدارة التواصل بدون مهارات إعلامية وتعليمية وبدون استراتيجيات دقيقة؛
  3. إن السياق الحالي يُلزمنا التخطيط لكل عمل راعوي وخاصة في مجال التواصل؛
  4. إن الفاعل الرئيسي لهذا التحول الإعلامي هو مكتب الأيبارشية للتواصل.

وفقاً لهذا يجب أن يكون في كل إيبارشية مكتب للتواصل الإجتماعي مؤلف من هيئة إدارية فعالة ورسمية، لتجنب الخطر في أن يصبح العمل التواصلي غير كنسي وغير فعال.

الكنيسة بحاجة إلى ثقافة رقمية

تعرف “الكنيسة التواصليّة” أن أدوات التواصل مثل موقع الويب أو البريد الإلكتروني هي ولادة “الشبكة الرقميّة” في الماضي. اليوم الإنترنت له منطق مختلف تمامًا عن المنطق السابق، حيث يمتلك الإنترنيت اليوم الويب 32.0 الذي لم يعد ثابتًا، ولكنه يعتبر نهجاً ديناميكياً تفاعلياً. هذا هو عصر الشبكات الاجتماعية، الذي أصبح الإنترنت فيه ومن خلاله مكانًا للمحتوى والمشاركة والتفاعل الذي ينشئه المستخدمون.

تتيح شبكات التواصل الاجتماعي القيام بأعمال إعلامية، أي تفعيل علاقات حقيقية مع الناس وخلق فرص ثمينة للشهادة على الأخبار السارة، والاستيطان في سيناريوهات كبيرة للتعبير عن جمال الإيمان. من أجل التواصل الفعال، ولهذا يجب على الجماعات الكنسية أن تستخدم ثقافتها الرقمية الخاصة.

حداثة الإعلام

قبل ظهور الـ Facebook، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تعتبر أدوات لإدارة العلاقات التي تم تطويرها في عالم افتراضي؛ ومع الـ Facebook، أصبحت الشبكات الاجتماعية فرصًا يستطيع المستخدمون من خلالها معالجة علاقاتهم الحقيقية وإعادة تشكيلها.

الكنيسة مدعوة أيضًا للعمل على الإنترنت على وجه التحديد، لأن الويب الذي تم تشكيله اليوم باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس عالمًا افتراضيًا أو موازيًا للعالم الحقيقي، ولكنه “جزء من الواقع اليومي لكثير من الناس كنتيجة التفاعل البشري”.

إن التحدي الحقيقي هو أن تبدأ الكنيسة في أن تكون أقل من “مجتمع افتراضي” وأكثر من “شبكة اجتماعية”، وأقل تخصصًا وأكثر إبداعًا، وأداة أقل للبث وأكثر من مكانًا للالتقاء.

الانفتاح على هذا “المنعطف الإعلامي”، لمنطق الاتصال، فإن “شبكة الويب والكنيسة واقعان مقدر لهما الالتقاء” ويمكن بل يجب للديناميكيات الراعوية أن تتشابك مع سيناريوهات الشبكات الاجتماعية لأن الكنيسة مدعوة لتظهر نفسها “حيث يطور الإنسان قدرته على المعرفة والعلاقة”.

لهذه الأسباب، سيتعين على المكتب الأيبارشي بذل الجهد لتعلم لغات وأشكال الاتصال الرقمي لتتوافق مع ديناميكيات وسائل التواصل الاجتماعي. وبالتالي تجنب المجازفة في جعل التبشير وصورة الكنيسة غير مهمين في نظر المجتمع، إلى جانب الوجود والعمل من الضروري أيضًا أن يكون لدينا هوية رقمية واضحة.

الخاتمة

 بالحقيقية نحن أمام عمل يتطلب الكفاءة والاستراتيجية وليس الارتجال. لا يكفي  فتح صفحة على الـ Facebook (أو أي ملف تعريف إجتماعي) وملئه بالروابط، يجب علينا أولاً أن نسأل أنفسنا (ماذا وكيف ولماذا) علينا التواصل وما هي الأهداف التي نريد أن نصل إليها. علينا أن نعرف بأن هذا العمل هو جهد لاهوتي رعوي يجب أن يبدأ به كل مكتب أيبارشي للتواصل.

من الضروري أيضاً التغلب على الاعتقاد بأن وسائل التواصل الاجتماعي ليست سوى “أداة” لنقل المعلومات أو نوعًا من الوسائل التي يمكن من خلالها التبشير بالإنجيل. لذلك، علينا تغيير المنظور لأن العمل الرقمي لا يعني القيام بنوع من “التعزيز التواصلي”، بل يعني تحقيق فعل إعلامي حقيقي.

في الختام، وبدلاً من القيام بـ “راعوية رقمية”، فإن الكنيسة مدعوة للقيام بـ “راعوية تواصليّة” لأن الكنيسة مثلها مثل البشرية جمعاء، تعتبر نفسها أيضًا وسيلة تواصليّة.

الأب يوسف يونو عجم الراهب

الهوامش:

  1. يقول “Ruggero Eugeni” لم يعد من الممكن تحديد بوضوح ما هو تواصلي وما هو غير ذلك؛ ولا يمكن تحديده عندما ندخل في موقف إعلامي وعندما نغادره، لأن وسائل الإعلام إنتشرت في كل مكان، بالحقيقة “نحن أنفسنا أصبحنا إعلام”. أنظر، Ruggero Eugeni, La condizione postmediale. Media, linguaggi e narrazioni, 2015.
  2. أنظر، Filippo Ceretti e Massimiliano Padula, Umanità mediale. Teoria sociale e prospettive educative, 2016.
  3. ويب 2.0 هو مصطلح يشير إلى مجموعة من التقنيات الجديدة والتطبيقات الشبكية التي أدت إلى تغيير سلوك الشبكة العالمية “إنترنت”. كلمة “web 2.0” سُمعت لأول مره في دورة نقاش بين شركة أوريلي ميديا الإعلامية المعروفة، ومجموعة ميديا لايف (MediaLive) الدولية لتكنولوجيا المعلومات في مؤتمر تطوير ويب الذي عُقد في سان فرانسيسكو في 2003 والتي ذكرها نائب رئيس شركة أورلي، دايل دويرتي (أوريلي ميديا) في محاضرة للتعبير عن مفهوم جيل جديد للشبكة العالمية. قبل ظهور مصطلح ويب 2.0، كان هناك ما يُسمى ويب 1.0 وويب 1.5. ويب 1.0 يتضمن صفحات لغة ترميز النص الفائق ثابتة (static) ونادرًا ما حُدِّثت. بعد ذلك جاءت ويب 1.5، وهي عبارة عن “ويب الديناميكية” والتي تكون فيها صفحات شبكة الإنترنت تُنشأ فورًا من محتويات قواعد البيانات باستخدام نظم إدارة المحتويات. ويب 2.0 هي أكثر من مجرد صفحات ويب ديناميكية، فهي تمثل شبكة اجتماعية وذات اعتمادية أكبر على المستخدمين، والمستخدمين هنا هم مستخدمي خدمات ويب الجديدة المتطورة والتي أنشأها خبراء الشبكة. وتعريف الموقع في ويب 2.0 هو موقعٌ بُني باستخدام عدد من تكنولوجيات ويب 2.0 الحديثة.

(الجزء الثالث)

ثانياً: مَهام الرهبان

2: أ- العمل:

2: أ: 1- النقاش حول سمو “حياة التأمّل الباطني” في القدم:

في القديم كان هنالك تمييز بين ثلاثة أنواع من الناس وذلك بحسب نمط حياتهم ونمط عملهم (الاصناف الثلاثة التي كانت تحضر الاجتماعات الكبرى في اليونان القديمة): الرياضيون والتجّار والفلاسفة، وبين هؤلاء الثلاثة هنالك منزلة رفيعة محفوظة للفلاسفة لاهتمامهم بأمر أسمى ألا وهو: “التأمّل في الطبيعة”. واعتبر هذا الحكم تقليداً في المحافل الفلسفية. فأفلاطون لمعرفته الجيّدة بسمو الحياة التأمّليّة لذا نراه متسائلاً دوماً: “لماذا يقوم الفلاسفة بحكم الشعب ويتحولون من حياة التأمّل إلى الحياة العمليّة؟”. ونراه أيضاً يتكلم عن أهمّيّة نمط آخر من الحياة يسمّيه “الحياة المختلطة”، لأن الحياة بدون “الخلط” أي ان تكون حياة حكمة لوحدها أو حياة ملذّات لوحدها، فهذا ليس بخير يفيد الانسان.

حتى ارسطوطاليس لديه افكاره الخاصة لأنماط الحياة، ففي كتابه “الأخلاق” يعرض لنا التصنيف الافضل الذي عُرف في العصور الوسطى والذي بحسبه يميز: 1) حياة الاستمتاع، غير اللائقة بالانسان 2) الحياة السياسية أو “العمليّة”، 3) الحياة التأمّليّة. ولهذه الأخيرة علينا الاهتمام بشدة دون الأخريات. فضلاً عن هذا كله لايمكن ان يخصّص المرء ذاته إلى هكذا نمط حياة ان لم يكن فاضلاً وذكيّاً.

أمّا موقف الرواقيّين فيلخّصه ديوجينس اللاريتسي1 هكذا: “إن أنماط الحياة في العدد هي ثلاثة: نظريّة، وعمليّة، وعقليّة، ويقال بأن ثالثتهم هي المفضّلة، وفي الحقيقة فإن الكائن العاقل هو مخلوق طبيعيّاً من أجل التامّل والعمل”

أمّا لدى الفلاسفة اللاّتين فهنالك مخطط آخر سائد لأنماط الحياة وهو الفصل بين حياة العمل وحياة اللاعمل “otium, negotium= nec+otium”، وهنالك ايضاً اشارات إلى نمط حياة مختلط، وحسبما يورده سينكا2 في دليله الذي أخذ به فيما بعد: “خلط التأمّل، والعمل” فالغاية هي بالاكثر لطرح فكرة أن العمل والتأمّل لايمكنهما التقدم بدون حاجة الواحدة للأخرى، لكن وبصورة حاسمة بالرغم من وجود العديد من الصيغ لحياة “مختلطة” فالمفكرون في القدم يتحدثون غالباً باستخفاف عن حياة العمل اليدوي ويتّفقون على ان معظم الاهمية تنصب في التأمّل إلى غاية اعتبار التأمّل “المَهَمَّة الروحية”.

2: أ: 2- في الكتاب المقدّس:

نرى في العهد القديم تياران متضادّان، فالأول، وهو متشائم، والذي ينطلق من الاحساس الواعي بالحاجة الملحّة إلى العمل للعيش والبقاء وكذلك فناء الاتعاب (حكمة 2: 22-23) والتي غالباً ما تكون مفروضة على الانسان (خروج 1: 8-14). أمّا التيار الثاني والذي يخالفه تماماً اذ يمتدح العمل خصوصاً ذلك المنفّذ باتّقان وتفنّن ويكون موجّهاً لخدمة الله، وفي هذه الحالة فالكتاب المقدّس يدعونا إلى تقدير سمو وجمال العمل، فعلى سبيل المثال في قصة بناء سفينة نوح (تكوين 6: 13-16)، وبناء هيكل أورشليم (1 ملوك 5: 15 – 7: 51)، وهذا التيّار الأخير سيتطور ليعطي بعداً أواخريّاً في العهد الجديد: “أورشليم السماويّة” في سفر الرؤيا التي تظهر لنا بشكل مدينة مبنيّة كآية من الجمال.

2: أ: 3- في الجماعات المسيحيّة الأولى:

بعد الحماس الأواخري الذي كان يحثّ معظم المؤمنين لكي يأتوا ويلقوا بخيراتهم أمام اقدام الرسل لكي يتقاسموها (أعمال 2: 45) نجد وبسرعة فائقة الالحاح في الحاجة إلى العمل بين الجماعات المسيحية الأولى: “من لايريد أن يعمل فلا يأكل” (2 تسالونيقي 3: 10) فالكثير من الجماعات المسيحية الأولى كانت تعيش في المدن وكانت مكوّنة من عمّال يدويين ونحاتين وبقّالين وتجّار وعبيد محررين، وتبعاً لذلك نجد في العديد من الوثائق نصوص تحثّ على العمل. ففي كتاب الديداخي3 نجد أن العمل هو شكل من التعاون البشري في عمل الله ان لم يكون يعود بالفائدة بصورة أو بأخرى بفائدة إلى القريب.

2: أ: 4- عمل الرهبان:

يرتبط العمل في الحياة الرهبانيّة بمسألة الفقر. ففي مصر كان من الطبيعي أن يعيش الراهب من عمل يديه، فبالنسبة لباخوميوس فان هدف الحياة الرهبانيّة ليس اقتناء حياة تأمل باطني وحسب، بل تحقيق المبدأ المسيحي الأولي حيث ان الدير يتحول إلى شكل قرية مسيحية مثاليّة.

أمّا لدى السريان فقد تطوّر نوع من الثقة بالارادة الالهية، فلأجل العيش كان الرهبان يعتمدون على الصدقات، وبهذه الروح نفسها في صحراء مصر كان الأبّا يوحنّا كولوبوس4 يرغب بألاّ يكون له أيّ اهتمامات فيعيش مثل الملائكة الذين لايعملون فلذلك هم قادرون على خدمة الله بلا انقطاع. لكن في نهاية القصة نجد بأن الحالة تنعكس!! فبعد أن مرّ أسبوع من انتقال يوحنّا إلى الصحراء نراه يعود ليطرق باب “الأخ الأكبر” الذي بدوره لايفتح له الباب تاركاً اياه مرتعداً في الخارج حتى الصباح متعذّراً بأن طارق الباب ليس بالأخ يوحنّا “لأن من اللحظة التي أصبح فيها يوحنّا ملاكاً، فهو ليس بانسان بعد!”، وفي النهاية يعطيه هذا الدرس: “إنك انسان، وعليك بالعمل كي تستطيع العيش”. وهذا الموقف نجده واضحاً للعيان في جماعة المُصلّين الذين أخذوا بهذا الموقف إلى أبعد الحدود رافضين بالمبدأ أي شكل من أشكال العمل اليدوي.

لكن في شكل مخالف لما سبق، نجد في موضع آخر أنه بدأ يعتبر تقليداً أن يقدّر الرهبان العمل ويثمّنوه كأداة موائمة للحفاظ على الروح من الضياع وكشكل من أشكال الزهد (خاصّة لدى الرهبان السلافيين فالعمل كان قاسياً جدّاً)، لكن العمل كان يعتبر أيضاً كخدمة مقدّمة تجاه المجتمع ومصدراً للدخل الذي يدعو بالتالي إلى ممارسة أفعال العطاء.

وبهذا ساهم الرهبان بشكل واسع بتغيير كبير في العقليّة السائدة، فالعالم القديم كان يقيّم بصورة خاصة العمل العقلي ويستهين بالعمل اليدوي، لأن الانسان -بحسبهم- يستحيل إلى صورة العمل الذي يقوم به. وهذا كان المبدأ الأساس الذي بسببه كان اليونانيين يعطون تفضيلاً للفنون الحرّة محترمين المهام الوضيعة. ذات العقليّة حوفظ عليها في القليل من السياقات المعتبرة على الاكثر هرطوقية كما هو الحال مع جماعة المصلّين الذين كانوا يرفضون العمل متذرعين بان الصلاة المستمرة هي ذات أهميّة أكبر.

لم ينكر المسيحيين أبداً صعوبة ايجاد موقف متوازن تجاه العمل، لكن الشيء المؤكد هو أنهم كانوا يحافظون على الابتعاد عن الفلاسفة الوثنيين بسبب المعنى الذي كانوا يضفونه على فكرة “الروحيّ”. فالانسان يصبح روحانيّاً بسبب مشاركة الروح القدس في حياته وليس لأهتمامه بأمور “غير مادّيّة” أي “عقلانيّة”. حقّاً إذ كان الرهبان يعتقدون بشكل راسخ بأن هذه المشاركة تتقوى بفعل الصلاة، لكن العواقب هي جديرة بالاهتمام، إذ كلّما كانت الاعمال تسهّل الصلاة، كلّما كانت تعتبر “أعمالاً روحيّة”، ومن بين هذه الأعمال الممتدحة نجد الزراعة والطبخ… إلخ. حيث يمكن أثناء القيام بهذه الأعمال الصلاة وترديد المزامير أو بصورة عامّة التذكّر الحيّ والمستمر لله، أكثر من تلك الأعمال الفكريّة التي تتطلب استخدام العقل.

2: أ: 5- “أعمال الله” في روحانيّة القديس باسيليوس:

إن المبدأ الأساس في الحياة الرهبانيّة البنديتينيّة هو ” ora et labora – الصلاة والعمل”، الذي يتبع القاعدة العامّة ويمثل الحلّ المستقيم لمشكلة “الصلاة دون انقطاع” (1 تسالونيقي 5: 17) في حين ان الحلّ الذي قدّمه المصلّين الذين كانوا يرفضون العمل فلقد أُدينَ: “إذ أن وحده الذي يوحّد الصلاة مع العمل هو الذي يقدر على أن يصلّي دون إنقطاع”. ويمكننا أيضاً قلب المصطلحات ووضع الصلاة ليس في المقام الأول وإنما الأعمال كما فعل القديس باسيليوس، فحكمة الإنسان تنصبّ في كشف صوت الله في كل المخلوقات: “العمل” هو قبول كلمة الله الخلاّقة “بالفضيلة”. لكن باسيليوس يفسر ما يسمّى بـ: “عمل” هكذا: “{لله} يتفهّم جميع اعمالنا لأنه خالق القلب، فعندما نتكلم عن أعمال فنعني أيضاً الافكار والتفكّرات بصورة عامة مثل أي فعل للإنسان”، لذا فإن تفكّراتنا هي حقائق، هي أعمال، ولهذه أهميّة أكبر من الفعل الخارجي والمادي الذي يتبع تفكّراتنا، الذي يمكننا تشبيهه بالاهداب التي تتدلى من أطراف الملابس، نطرح مثلاً آخر: التفكّرات والتأمّلات، هي كلمات قصيدة لكي تكون مدوزنة بصورة جيّدة، عليها أن تكون مترافقة مع المزامير، أي جسمنا وعمله.

وإن كان باسيليوس ذو روحٍ “عمليّة” إلا أنه لايستخف بحياة التأمّل، بالعكس، فإنه يدين الحقيقة الواعية بالروح الانساني على انها ليست بلعبة مفاهيم وانما كمَهَمَّة مُهِمَّة، كقوة فعّالة في العالم، لأنها مشاركة في تفكير الله الذي يخلق ويحافظ على الكون. إن فكر الله هو المرور بكلّ الخليقة وإعطائها حياةً وإثماراً. وهكذا فكر إلهي مفهوم عبر روحنا الانساني فعليه أن يعطي بنفس الطريقة حياةً وإثماراً لكل فعّاليّة بشريّة، أي للرغبات والأفكار والكلمات والأفعال الخارجية محوّلة إيّاها إلى قانونها الداخلي، ومدبّرة كل شيء نحو هدفه الروحي. هكذا شيء عليه بطبيعة الحال أن يكون أيضاً عمل الرهبان، لذا فعليهم أيضاً أن يتعبوا مثل بقية الناس لكن دوما مع إمكانية داخليّة جيّدة للتذكّر المستمر لله.

2: أ: 6- لاهوت العمل بحسب القديس يوحنا فم الذهب والآباء الأنطاكيين:

إذا كان اليونانيّون يفكّرون بأن الأعمال الماديّة لا تدخل ضمن اهتمامات الفيلسوف، فإن الربينيّين في العالم اليهودي كانوا على العكس تماماً إذ إنهم كانوا يمتدحون عمل الأيدي مشبّهين إيّاه بالـ: “الزوج” المكمّل لدراسة الشريعة.

أمّا آباء المدرسة الأنطاكيّة المتطبّعين بالحسّ “السّامي” فإنهم يتبعون التيّار ذاته، فبالنسبة لهم فالانسان هو صورة الله ليس في فضيلة العقل بل بالسيطرة التي يمارسها على العالم فعندما يعمل في العالم المرئي فإنّه يتشبّه بـ: “عمل” الله. وفي الوقت الذي أوكل العالم إلى الانسان “ليتسلّط على سمك البحر…” (تكوين 1: 26)، فالله “يدخل في استراحته” ويوكل إلى صورته الاهتمام بإتمام مهامّه. وهكذا فالعمل لايمكنه أن يكون شاقّاً جدّاً، إذ إنه في حقيقة الأمر التمرين الفرِح للحكمة. لكن الخطيئة قد اقترحت التعب. أمّا في قاموس القديس يوحنّا فم الذهب فلدينا مفردتين، الأولى ” ergasiaالعمل” والثانية ” ponosالتعب”، فالقيام بعمل ما “ergazesthai” هو شيء، والتعب المصاحب للعمل المستمر “ponein” هو شيء آخر.

إن المصطلحات الأتية: “ponos, kopos o penia”، أي التعب، والعناء أوالجهد، هي المفردات الي بها تُعرَف الطبيعة البشرية بعد الخطيئة، وبما انها عقاب “جسدي” فإن التعب يمكن أن يأخذ معنىً آخر أكثر ايجابية. إذ نجد أن فيلون5 يقوم بوصف العمل في مقاله المعنون “التضحيات” مؤكّداً لنا بان العمل يقودنا إلى الحياة الفاضلة.

أمّا في اللغة اليونانيّة الهلينستيّة فكلمة ” ponosتعب” كانت تعني العمل اليدوي، لكن الكتّاب الديرانيين كانوا مقتنعين بأن التعب يصاحب أيضاً العمل الروحي، على سبيل المثال في الصلاة المثابرة. لذا فنجدهم يكرّرون ما كان يقوله فيلون بصورة حرّة (وهذا يقودنا التفكير بما كان يقوم به المؤلفون القدامى خصوصاً الرواقيين)، حيث لايمكن “إقتناء الفضيلة دون تعب”. لذلك فالراهب هو بالضرورة محبّ التعب أي ذلك الذي يحب العناء. أمّا ثيودوريطس القورشي فيفتخر بزهد الرهبان السريان لأنهم قاموا “بحروب لا ترى، ومعارك لا يمكن أن تشاهد،…، ومن خلال عناءات ليست بالقليلة استمرّوا في طريقهم في حياة الفضائل”. في حين ان يوحنّا كولوبوس في سؤاله لأحد الشيوخ الرهبان عن: ماذا يعني الراهب؟ فيردّه الآخر بجواب كالبرق: “عناء، حتى في أدنى الافعال التي يقوم بها عليه أن يعاني، هذا هو الراهب”.

فضلاً عن هذا وذاك، فالعمل يقبل كمشاركة حرّة  في صليب المسيح، فالعمل الرهباني ينقّي الراهب ويبدأ شيئاً فشيئاً بفقدان شكله المتعب والقاسي ليتحوّل إلى أمر مرغوب فيه. في كتابات مقاريوس المنحولة نجد عبارة بصيغة تلاعب بالمفردات “ponos-pothos”، أي: “التعب راحة!”.

2: أ: 7- العمل بحسب ثيودورس الستوديتا6، هو مقياس التعبّد:

بالنسبة إلى ثيودوروس الستوديتا لا يعتبر حبّ العمل فضيلة على مستوى فضيلة الطاعة والتواضع، لكن حب العمل يعني العمل الكثير. فنراه يشيد برهبانه: “التزموا بأعمالكم الملقاة على عاتقكم، ولاتقوموا بها بتوانٍ، أستعملوا كل ما عندكم من عُدَد: أحدكم فليجرّ العربة، والآخر عليه بالمحراث، وآخر ليمسك بيده اليراع، وآخر ليحمل الفأس وبعضكم ليحمل ألواح الخشب وأي شيء كان، حتى وإن صادف أن سمعتم بعض الأحيان شيء من التوبيخ”.

لذا فالعمل هو مقياس التعبّد الديني لأن: “وحده من هو نشيط في الالتزامات والواجبات اليدويّة، هو ذلك الذي يكون نشيطاً وحارّاً في الالتزامات الروحيّة”. هكذا فثيودوروس لا يحبّ الرهبان الذين يبحثون بشتّى الطرق للتهرّب من العمل، مثال على ذلك في زمن البرد القارص هناك من يتهرّب من العمل في الخارج وتراه ينتقّل في المطبخ لأداء بعض الأعمال الصغيرة، أو اولئك الرهبان الذين لا يعودون مباشرة إلى العمل بعد تعافيهم من فترة مرض معينة.

ولسبب أهم من ذلك فثيودوروس لا يفهم موقف اولئك المتحجّجين بأسباب الصلاة أو التأمّل ويريدون أن يوعفوا من العمل! فالعمل هو تضحية الانسان والصلاة الطقسية للراهب، أي قدّاسه وقربانه الذي من خلاله تتحول الحياة الديرية إلى حياة ملائكيّة، لأن العمل يصنع من الراهب متعبّداً يضحي بذاته كلّها كذبيحة.

تأليف: توماس شبِدْلِكْ / ترجمة: الأنبا سامر صوريشو يوحنا الراهب

الهوامش:

1 ديوجينس اللاريتسي: مؤرخ سير حياة الفلاسفة اليونان عاش في الفترة بين (200-500).

2 سينكا: يعرف أيضا بسينكا الأصغر 4ق0م : 65 م أي القرن الاول ميلادي كان فيلسوفا رواقيّاً رومانياً، رجل سياسي وكاتب مسرحي، وقدم عمل هزليا واحدا من العصر الفضي للأدب اللاتيني. من بين تصوراته الفلسفية موقفه الرواقي في فن سياسة النفس بحيث يتحكم المرء في رغباته واحاسيسه الجسمية ومطالبه العضوية وهو ما يحقق للمرء قدرا من الاستواء واللامبالاة تجاه الأحاسيس والسكينة التي هي منتهى الحكمة والسعادة.

3 الديداخي: من اليونانية Διδαχήأي التعليم، وهو من الكتب المسيحية المبكرة ينسبها معظم العلماء لأواخر القرن الأول أو بدايات القرن الثاني، تحتوي على تعاليم دينية للمجتمعات المسيحية الأولى بشكل دروس عن الشعائر الدينية مثل التعميد وتنظيم الكنيسة…إلخ، اعتبره بعض آباء الكنيسة جزءً من العهد الجديد لكن آخرون رفضوه كونه كتاب منحول أو غير قانوني. في النهاية لم يقبل هذا الكتاب ضمن كتب العهد الجديد ما عدا لدى الكنيسة الأرثوذكسية الأثيوبية. أمّا كنيسة الروم الكاثوليك فقد قبلته كجزء من مجموعة الآباء الرسوليين.

4  يوحنّا كولوبوس: أو يوحنّا الصغير (القصير)، وهو أحد كبار قديسي آباء الصحراء في مصر، إذ نجد اسمه في بين الآباء القديسين المذكورين في الصلوات الليتورجية، ولد حوالي سنة 339 في كنف عائلة فقيرة مؤمنة. عشق الحياة الرهبانيّة منذ نعومة أضفاره، وكان يزور المناطق المنعزلة مراراً حتى قادته العناية الالهيّة ليترك قريته باستا ويعتزل عن العالم في سن الـ18، فذهب الى وادي نطرون وكرّس ذاته وقلبه كله لروح المسيح، فاصبح تلميذاً للأبّا بيمواح وصديقاً للأبّا بيشوي. عُرفَ بطاعته المطلقة، إذ يروى أن معلمه أمره يوماً بزرع عود يابس في الصحراء وأن يسقيه مرتين في اليومرغما عن بعد بركة الماء حوالي 12 ميلاً من المكان الذي كانوا يسكنون فيه، وبعد ثلاث سنوات نما العود واصبح شجرة واعطت ثماراً فجلب من ثمار تلك الشجرة الى اخوته الرهبان قائلاً: “كلوا من ثمار شجرة الطاعة”. رسم كاهنا وعين بعدها رئيساً للدير الذي أسسه قرب شجرة الطاعة، لكن غادر الدير اثر هجوم البرابرة على المنطقة سنة 395 فهرب لاجئاً الى جبل القلزم (السويس) حيث مات هناك. يحتفل بتذكاره في الـ17 من تشرين الأول.

5 فيلون الإسكندري: ويعرف أيضاً بفيلون العبري، ولد في الأسكندريّة سنة 20 ق.م. وتوفي سنة 50 ب.م. فيلسوف هلينيستي ذو ثقافة عبريّة، أمّا الوصف الذي لدينا عنه فنجده في بعض الاشارات في كتابات فلافيوس يوسيفوس إذ يقول: هو إنسان واسع الثقافة وممثل لأقوى الجماعات العبريّة في الأسكندريّة. إذ يتحدّر فيلون حقاً من أغنى وأكثر العوائل سلطة وتأثيراً في المدينة ومن المرجّح أن يكون أوّل أكبر مفسّر للنصوص الكتابيّة المعروفة لديه في الترجمة اليونانية.

6 ثيودوروس الستوديتا: (759- 826) راهب بيزنطي ورئيس دير ستوديوس في القسطنطينيّة، لعب دوراً حيويّا ومهمّاً في كل من الحياة الدينية البيزنطيّة وكذلك في الأداب البيزنطيّة على العموم. عرف كمعارض غيور وصارم تجاه حركة تدمير الايقونات الذي يعد واحداً من العديد من الصراعات التي جعلته في مواقف حرجة سواء مع الامبراطور أو البطريرك. يحتفل بتذكاره في الـ11 من تشرين الثاني.