احتفلت الرهبنة الأنطونيّة الهرمزديّة الكلدانيّة بالقداس الإلهي بمناسبة تذكار العذراء مريم حافظة الزروع الذي ترأسه الأنبا د. سامر صوريشو يوحنّا الرئيس العام للرهبنة وبحضور الأباء الكهنة والإخوة الرهبان والأخوات الراهبات وجمعٌ غفير من المؤمنين في كنيسة ديرالسيدة العذراء مريم حافظة الزروع في القوش عصر يوم السبت الموافق 15 أيار 2021. بعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى الرئيس العام عظة بهذه المناسبة المباركة جاء فيها: ” إنّ عيد سيّدة القمح الذي يحتفل به في 15 أيار، والذي يسمّى عيد مباركة العذراء للزروع التي زُرِعَت سابقًا وهي الآن معدّة للحصاد، يصادف في زمن القيامة، ومن هنا له طابع التهنئة للعذراء بقيامة ابنها يسوع من الموت. ولأننا نحتفل بروعة قيامة المسيح، التي صعد الى السماء وجلس بموجبها عن يمين الآب، حتى يوضع جميع أعدائه موطئًا لقدميه. وبسبب ملوكية المسيح، حصلت مريم أيضًا على الكرامة الملكية. هذه المشاركة مع يسوع القائم من بين الأموات والملك الجالس عن يمين الله تصل مع مريم إلى درجة مرموقة ومتفوقة عن أي درجة أخرى، بحيث يمكن ويجب أن يتم تسميتها كملكتنا بطريقة فريدة. إننا نعيش خلال هذا الشهر المريمي لحظات نعمة عظيمة وان للتشفع والعبادة المريميّة أبعاداً أساسية في حياتنا المسيحية لأن أي شخص غير مريمي ليس مسيحيًا حقًا. في الواقع، مريم هي التي تقودنا إلى ابنها، وهي التي تفتخر بولادة الابن الوحيد للآب، وتحتضن في كل أعضائها الابن الواحد نفسه، ولا تخجل من أن تُدعى أمًا لكل من تتعرف فيهم تشكّل المسيح أو اولئك الذين تعلم أن المسيح ينشأ فيهم. دعونا نعهد أنفسنا بالكامل للرعاية الأمومية والملكية للعذراء مريم”.

 بعد البركة الختامية للقداس الإلهي أنطلق الجميع في زياح مهيب من الكنيسة الى الساحة الخارجية للدير، حاملين أيقونة العذراء والصليب المقدس، وسط التراتيل الطقسيّة والمدائح المريميّة.

(الجزء الرابع)

2: أ: 8- الدور الثقافي للأديرة:

فيما يخص موقف الرهبان تجاه الثقافة، علينا الاخذ بنظر الاعتبار جملة من الحقائق غير المتجانسة فيما بينها. ففيما يتعلق بدور “المُثَقِّف” للرهبان أوالراهبات نجد هنالك نتاجات قد كرّست اما لعصور محددة واما اعمال شديدة الاقتباض. وهكذا، ففي هذا السياق يتوجب علينا فقط التركيز الاشارة الى مفهوم وقيمة هذا الدور، ملمّحين الى بعض المعطيات التي جعلته ممكناً.

فالحياة الرهبانيّة البدائيّة كانت قد ولدت في سياق اجتماعي متواضع، وكانت تمثّل نقلة وثورة ضد ثقافة زمانها، حيث كانت تزعم بتقديم قيمٍ كافية لحياة الانسان، لذلك يمكننا فهم الموقف السلبي الاساسي للمسيحيين ضد “حكمة العالم”. ففي كثير من الأحيان كان يتهم الرهبان باسهامهم في اضمحلال الثقافة اليونانيّة، متناسين أن هذه الثقافة كانت أصلاً في طور الاندثار إبّان نشوء الحياة الرهبانيّة. فضلاً عن ذلك، فإن العديد من الرهبان المنتمين الى الاجواء المصريّة والسريانيّة والأرمنيّة… الخ، قاموا بشتى ما استطاعوا كي يحيلو من ثقافاتهم المحليّة الخاصّة أكثر شعبيّةً وحضاريّةً فاقتحموا بذلك مسرح العالم المتحضّر ليجعلوها هكذا مشهورة. لكن هنالك عامل آخر من المستحيل اغفاله وهو ان على مرّ العصور كانت الاديرة نفسها من المراكز الاساسيّة للحياة الثقافيّة للشعوب المسيحيّة.

رغماً عن هذا وذاك، فإن هذا الدور التثقيفي لم يكن أبداً غاية بحد ذاته، وانما كان اشعاع لاحق للقوى الروحيّة التي تقدّس العالم. فقاعدة “العزوف المُثمِر” قد أحيت جميع المرافق، فلقد سمحت بالحداثة والابداع في الحقل الثقافي دون أن يكون مراداً به. إنّ هداية القديس مبارك تمثل حقيقة رمزيّة في هذا الخصوص، هكذا كما يصفها القديس غريغوريوس الكبير: “بعد أن هرب القديس مبارك من المدرسة، أصبح هو نفسه أصلاً لولادة التعليم، وهكذا فالمبدا الأساسي للتعليم قد تغيّر وكذلك الهدف النهائي منه والموسائل المؤدية اليه”.

إن مصطلح “العزوف المُثمِر” هو مُهِمٌّ للغاية لأنه يساعدنا في تحديد المواقف المتعددة للرهبان تجاه الثقافة في إطار الزهد المسيحي الذي يحرّكه المبدا الأساسي القائل بـ: “يتوجب إيجاد قيمة كلّ الحقيقة المخلوقة من خلال عزوف أوّلي”، ففيما يخص موضوعنا نجد العديد من النصوص حيث ان هذا العزوف الأوّلي يوضع على درجات مختلفة: 1- القبول بالضرورة على العزوف عن الحكمة “الخارجيّة”، أيّ الثقافة غير المسيحيّة، 2- القدرة على ان نكون مفتخرين بـ:”الجهالة” فيما يخص أيّ شكل من أشكال الثقافة الانسانيّة، 3- الوصول إلى درجة العزوف عن الثقافة اللاهوتيّة المسيحيّة.

2: أ: 9- العزوف عن الحكمة “الخارجيّة”:

إنّ التمييز بين “العلم البسيط” و”العلم الروحي” الذي يقدّر بكثير لأنه “مواهبي”، يؤسس أحد الدوافع المسيطرة على العقليّة الرهبانيّة الشرقيّة. هنا علينا أن نتذكر أمراء الرسل القديسين بطرس ويوحنّا اللذان هما مصنّفان في الكتاب المقدس كأمّيين وجهلة (أعمال الرسل 4: 13).

مع ذلك، فلقد كان هنالك بين الرهبان منافسة حقيقية للتسمّي بالجَهَلَة، فعلى سبيل المثال نرى قيرلّس الشيتوبولي1 الذي رغماً انه كان الكاتب الافضل لسير القديسين بين البيزنطينيين الا انه كان يطالب بلقب الجاهل. كذلك ليونسيو من نيابولس2 كان يعمل مثله غير آبه ان يستهين بدرجته الاسقفيّة. أمّا ماكسموس المعترف3 فإنه يقرّ دون توجيه، الشيء الذي ليس صحيحاً، انه قام بدراسة كل العلوم المتوفرة في حينه فنراه يبرر موقفه كالآتي: “عندما يكون الذكاء نقيّاً، ففي بعض الأحيان يكون الله نفسه منشراً به ويقوده، وفي الحين الآخر تكون القوى المقدسة (الملائكة) هناك لتملي عليه الأمور الجميلة والجيّدة، وفي الحين الاخر يكون للتأمّل الطبيعي وحسب”. الآن، “فالفلسفة العمليّة، أي الحياة الزهدية، فهي التي تقوم بتنقية الذكاء في ضوء التأمّل الطبيعي”، لذلك فالـ: “العلم البسيط” لا ينفع شيئاً.

إن لهذه الاعتبارات من دوافع روحيّة، لكن ذات التعابير لدى أشخاص ربّما أقلّ روحانيّة، فإنّها قادت الى مواقف متطرّفة ممكن ان نجدها بين بعض الرهبان الاثوسيين، والتي بحسب تأكيداتهم الفئويّة: “إن العلم هو اختراع شيطانيّ”، وإنّه لمن الواضح انه موقف يتعلّق ببعض الآباء الذين كانوا ينظرون الى الامور بحرفيّتها بشكل مبالغ جدّاً.

2: أ: 10- موقف الرهبان من الدراسات اللاهوتيّة:

من الممكن دراسة الالهام المسيحي على منهج “العلم البسيط” الذي بالرغم من كلّ شيء لا يقترح مسبقاً ولا يضمن أي نوع من التقدّم الروحي. بل بالعكس، هنالك تكمن المخاطرة الكبرى ألا وهي الفناء الذي يطوّره العلم وكذلك الايهام الذي يولّده، والذي بدوره يقود الى السقوط في حضيض روحي متدنّي جدّاً. وهكذا فالراهب ليس كاهناً بالضرورة، لذلك ليس لديه أية مسؤلية للتعليم، فهو يعزف عن “العلم البسيط” ليتمكّن من تحقيق “العلم الحقيقي” فبالنسبة اليه فاللاهوت يتطابق مع الصلاة، بحسب الجملة الشهيرة لإيفاغريوس القائلة بـ: “إذا كنت لاهوتيّاً عندها ستصلّي صلاة حقيقةً، وإذا كنت تصلّي صلاة حقيقةً، فأنت لاهوتي”.

مع هذا، لا يمكن نكران أن هناك بين الرهبان لاهوتيون عباقرة وأساتذة عظام ومعلّمو إيمان اولئك الذين كانوا يعتبرون انفسهم مكرسين للتعليم كدعوة، كما سنرى لاحقاً لدى الرهبان الأرمن، فجماعة الفاردبي4 أي الراهب المتحلّي بالقدرة على الكرازة والتعليم، تلك القدرة التي لا يملكها أي كاهن عادي، وكذلك التطبيق الفعلي لهذا المفهوم السامي على الثقافة. وكذلك الحال لدى الروس من القرن التاسع عشر اذ كان مقضيّاً ان كان هناك طبقة خاصة من الرهبان كانوا يُدعونَ بـ: “الرهبان المُثقّفين”، هولاء كانوا يدرّسون في الكلّيات والاكاديميات متمتعين بامتيازات خاصّة. وفضلاً عن ذلك، فان الاساقفة والاشراف الكنسيين كانوا في العادة ينصفّون في صفوفهم. اذ في مجمع موسكو (1917 – 1918)5 انتفض ضد الاساءات الناتجة عن حرّيّتهم، لكنه وافق على امتيازاتهم هذه مشرّعين بأن على هولاء الرهبان أن ينتموا الى نوع من “أخوّة” ذات طابع كنسي-ثقافي.

لكن بالنسبة للأغلبية العامّة للرهبان فإنه كان كافياً لهم قانون الايمان المُتعلم من الرؤساء الكبار وكذلك الصلوات الاساسية المحفوظة عن ظهر قلب وكذلك الصلوات الطقسيّة… كل هذا كان كافياً لتغذية حياة الصلاة لديهم. فلقد كان يبحث في الكتاب المقدس وفي القراءات الروحيّة عن كل ما يبني وليس عن العلم بحد ذاته.

2: أ: 11- التطوّر الفكري لدى القديس باسيليوس:

بالنسبة للقديس باسيليوس فمشكلة الثقافة تطرح بشكل شخصي بحت. فالقديس باسيليوس اصبح راهباً بعد أن أتمّ سلسلة من الدراسات الجامعيّة المتوفرة آنذاك في عهده. أمّا موقفه من الثقافة فنراه يتغيّر في مجرى حياته، وههنا نلخّص مراحل هذا التطوّر:

  1. مرحلة العزوف الرهباني الجذري:

يشرح القديس باسيليوس موقفه كمهتديٍ جديد في سالته المرقّمة 223 بهذ   ه الكلمات: “فيما يتعلق بي، فاني قد صرفت ردحاً طويلاً من الزمان هباء، فلقد خسرت حوالي كل شبابي في العمل الذي كنت اكرّس نفسي له لكي أقتني تعاليم حكمة معلنة من الله جهالةً. في النهاية، في أحد الأيام استيقظت كما لو من نوم عميق فيمّمت وجهي صوب النور البهي للحقيقة الانجيلية”. ان نتيجة هذا الاهتداء هو التمييز الذي يقوم به مراراً بين “الحقيقة التي لنا” و”الفلسفة الفانية” أي تعليم “أولئك الذين هم في الخارج”.

  • مرحلة استخدام العلوم الدنيويّة لأسباب الدفاع عن العقائد الدينية:

وما أن أصبح باسيليوس اسقفاً، إلا وبدأ الشعور بالخطر الذي يواجه الايمان، وان عليه واجب المدافعة عنه. ففي الحروب يحمل الجند اسلحة مشابهة لتلك التي لدى أعدائهم، وبما أن اعدائه الرئيسيون كانوا الآريوسيين6 الذين كانوا أساتذة في الجدليّة، لذا كان عليه محاربتهم بنفس السلاح، وهكذا يعود باسيليوس الى ما كان قد تعلّمه في المدارس الدنيويّة، ليس لفائدته الخاصّة وانما من أجل خدمة الكنيسة، كما ان على الطبيب معرفة الأمراض مسبقاً لكي يكون قادراً على شفاء الآخرين.

  • مرحلة انشاء المدارس المسيحية:

إنّ النظام الدراسي في ذلك العصر كان وثنيّاً، فكان واجباً التقدّم بإصلاحات معيّنة. ففي الوهلة الأولى يعتقد باسيليوس بأنّ من الممكن تعلّم البلاغة وحسن الصياغة النصّيّة والفنّ الأدبي على نصوص من الكتاب المقدّس. لكن بعد ذلك يجب كتابة كرّاس صغير الذي هو نوع من النتاجات الاولى للـ”إنسانية المسيحيّة”، مثل: “للشبّان: حول قراءة كتب الوثنيين”، هنا يؤكد باسيليوس بأن الفلاسفة القدماء قالوا الكثير من الاشياء الصالحة والتي تتفق مع التعاليم الانجيلية لذلك فإن قراءة هذه الكتب يمكن أن تخدم كتمهيد للانجيل وبالخصوص للشباب.

  • مرحلة التأمّل في اللاهوت النظري:

إنّ كل من يبحث عن طريق لطرح الايمان المسيحي بصورة صحيحة فانه يقفه الى الحاجة الى فنّ المنطق المتعلم في المدارس وهو المعرفة بوضع الامور مع بعضها البعض فيما يخص موضوع ما متحاشين التناقضات…الخ. باختصار، معرفة كيف يمكننا التعبير عن أنفسنا والتواصل مع الآخرين بأفضل اسلوب ممكن. ففي هذا الخصوص، يرى واضحاً كيف أن نصائح باسيليوس قادت الى هكذا نوع من الاساليب الخاصة باللاهوت المدرسي.

  • مرحلة تأمّل الطبيعة:

في كرازاته حول خلق العالم “الهيساميرون”، يرى بجلاء ان علم الكاتب اعمق بكثير. فباسيليوس يستخدم بشكل واسع العلوم الطبيعية المعروفة في وقته، ليس من أجل أغراض الدفاع عن الايمان وانما للفائدة الروحيّة. فكل ما كان قد حصل عليه في المدارس الدنيوية تراه ههنا يعود عليه بمعنى للحياة المسيحيّة. هكذا فالثقافة لا تعد بعد عائقاً أمام الرحمة، بالعكس فانها تتحّول الى جزء متكامل مع المعرفة الروحيّة. هكذا فالعزوف الجذري تحوّل الى “عزوف مثمر” والتعارض ما بين المقدّس والدنيوي قد تمّ تجاوزه.

2: أ: 12- مكتبات الأديرة:

في ارشاد موجّه الى رؤساءالاديرة البيزنطينيين نجد انه يحثّهم على عدم اعطاء أية مسؤليّة لأي راهب كان ما لم يكن قادراً على قراءة المزامير وصلوات الساعات الطقسية، فلقد كان الزاماً على الراهب معرفة القراءة ما لم نقل أكثر من ذلك، لأن القراءة الروحيّة كانت تدريباً أساسياً للحياة الرهبانيّة والذي كان يقترح حدّاً أدنى من الثقافة.

لذا فوجود المكتبات في الأديرة يعد أمراً مألوفاً جدّاً. فالرهبان كانوا يستنسخون المخطوطات، أمّا الكتب فكانوا يستلمونها أمّا كعطايا أو كانوا يشترونها، حتى قاموا في وقت لاحق بطبعها ونشرها بأنفسهم. وهذه العادة كانت جد منتشرة حتى انه في مجمع موسكو المشار اليه سابقاٌ 1917 – 1918 فنرى انه يصف ما بين مهام الأديرة أن تمتلك مطابعها الخاصة لغرض نشر الكتب الدينيّة، وهكذا قرار كان من شانه تأطير تقليد طويل في هذا البلد.

لذا فسيميوني7 اللاهوتي الجديد يقارن الراهب بـ”الكتاب الحيّ” وهو ما يقدّم لنا الفكر الصحيح للآباء، وهذا ما يقوله في عن الراهب في كتابه عن حياة القديس قيرلّوس الفيلوتا: “الراهب هو كتابٌ حيّ، إذا كان حقّاً راهب، وإلا فإنّه قبر مفتوح”.

2: أ: 13- مدارس الأديرة:

لقد بدأ في الغرب بشكلٍ مبكّر جدّاً توكيل مَهَمَّة تعليم الشباب إلى الأديرة، لذلك سنندهش جدّاً عندما نسمع القانونيين الشرقيين في حديثهم عن هذه العادة. هكذا فعلى سبيل المثال نيسيفورو8 من القسطنطينيّة كان يسمح للراهب بترك الدير اذا: “كان هناك من شبّان يتعلمون المهن الدنيويّة بين الرهبان”، فالسبب وراء هذا الرأي لهذا القانوني هو غريب جدّاً: “إن الشباب يمكنهم أن يتحدّثوا عن كل شيء حسن يقام به في الدير”، وهناك البعض الاخر أكثر صراحة إذ يشيرون الى أن الخطر الحقيقي ينطوي على ما يخصّ البتوليّة، وفي هذا المفهوم الحصري كان يأمر بالا يقبل في الأديرة “الشبّان الصغار غير المُلتحين بعد”.

مع هذا، فرغماً عن قساوة القوانين، فليس نادراً إيجاد حقائق تاريخية تضادد هذا الموقف العام. فمسبقاً في كتابات باخوميوس، نجد هنالك اشارات تدل على وجود شبّان في الأديرة. ويمكننا أن نذكر شهادة يوحنّا فم الذهب عن “دور الأديرة في التعليم”. وتعرف هنالك العديد من المدارس الديرية في البيزنطية وفي روسيا وفي معظم الشرق، كان هدفها الأساس الإرشاد الديني. إذ كانوا يدرّسون الكتب المقدّسة وآباء الكنيسة والطقوس والفنّ المقدّس. وكان يقتصر على عدد يسير من هولاء الطلبة مِمّن يصلون الى مرحلة من ايمان راسخ أن يسمح لهم بالعبور الى دراسة العلوم الدنيوية وبصورة خاصّة الدراسات الفلسفيّة. مع هذا، فإن المدارس الديريّة في العالم البيزنطيني كانت قد تحوّلت الى مراكز ثقافيّة، وهكذا فعندما كان الامبراطور قسطنطينوس مونوماكو9 يريد أن يؤسس جامعة فنراه اختار كرسي لها دير القديس مامنتي10، ومن جانب آخر فيعرف بان في مدارس الستوديتي، انها كانت تثقِّف العديد من أفراد العائلة الامبراطوريّة.

كان هنالك مدرسة مشهورة أيضاً على جبل آثوس للجورجانيين التابعين لدير إيفيريون11، ففي القرنين 11 و 12 كانت هذه المدرسة محميّة من الحكّام الجورجانيين والاباطرة البيزنطينيين حيث كان يدرس هناك الفلسفة واللاهوت. أمّا في بلغاريا ففي دير باشكوفو12 كان الشبّان يتثقّفون على يد أحد “الشيوخ” ومن ثمّ كان يوكل بهم الى “أخوّة” حتى اللحظة التي يصلون فيها الى العمر المؤهل للرسامة الكهنوتيّة.

إن تاريخ المدارس الروسية يظهر بانها كانت تقع داخل أسوار الدير، وحتى القرن السادس عشر نجدهم يتبعون مثال المؤسسات الكاثوليكية في بولندا حيث انشأت مدارس ابتدائية وثانوية ذات الطابع الغربي خارج حصن الدير. ويعتبر هذا التطبيق مزكّىً جدّاً من المجمع السنهاديقي المقدّس، لكن مجمع موسكو 1917 – 1918 يناشد مجدداً على ان بعض التعليمات (حول الحرف مثل الزراعة والرسم المقدّس … الخ) فإنه يفضّل أن تعطى في إطار الحياة الديرية، أي داخل الحصن الديري.

تأليف: توماس شبِدْلِكْ / ترجمة: الأنبا سامر صوريشو يوحنا الراهب

الهوامش:

  1. وُلِد في مقاطعة فلسطين الثانية، حوالي عام 525. أشرف والده يوحنا، وهو محامٍ، على تعليمه الديني المبكر، وأصبح راهبًا في عام 543. بعدها ذهب إلى أورشليم وقضى بضعة أشهر في حياة النسك بالقرب من نهر الأردن، قبل دخول دير أوثيميوس الكبير في أريحا في سنة 544 وبقي هناك حتى عام 555. بعد ذلك بعامين انتقل إلى جماعة رهبانيّة للقديس ساباس، حيث توفي ما بين عام 557-558. تأثر قيرلّس بالقديس ساباس والذي التقى به عندما كان لا يزال في سن مبكرة، والتقى أيضًا بالقديس يوحنا الصامت أسقف كولونيا في كابادوكيا.
  2. أسقف نيابوليس أو ليماسول الحالية في قبرص، عاش في القرن السابع الميلادي، وله العديد من الكتابات التي تعد من بين الاعمال القليلة باللغة اليونانية الدارجة للفترة البيزنطينية المبكّرة والوسطى، مثل حياة القديس يوحنّا الرحيم، وحياة القديس سيميون القديس المجنون، ويعتقد بانه كان حاضراً في مجمع اللاتران في روما بعام 649.
  3. ولد سنة 580 في القسطنطينية، وتوفي بتاريخ 13/8/662 والذي يعد اليوم الذي تحتفل بذكراه كل من الكنيستين الكاثوليكية والارثوذكسية على حدس سواء. سمّي بالمعترف لأنه رفض تعاليم عقيدة الارادة الواحدة وعلى اثر ذلك قطعت يده اليمنى وكذلك لسانه الذي به اعترف بالايمان المستقيم.
  4. وهي جملة اكاديميات توزعت في ارمينيا حوالي نهاية القرن السابع وكانت تهتم بالتعليم وتهيئة المعلمين والكارزين والمبشرين………
  5. مجمع سوبور أو ما يعرف بمجمع روسيا كلها، أي مجامعها المحليّة، بدأ المجمع بتاريخ 15/8/ 1917 في فترة التحرر تحت الحكومة الانتقالية واستمر حتى 20/9/1918 بعد ان كانت الكنيسة تحت وطأة حكومة بولسهيفك المحجّمة للكنيسة. ويعد هذا المجمع الأول للكنيسة الروسية بعد مجمع 1681- 1682، اذ بعد استبداد الملك بطرس الأول وتدخله بشؤون الكنيسة الى اقصى الحدود، لم يجدوا منفذا لهذه الوطاة حتى بدأ الثورة ووصول نيقولاوس الثاني الذي اصدر بيانا بالحرية الدينية في 17/4/1905.
  6. الآريوسيون: هم من تبع تعليم آريوس (250 – 336) الذي كان كاهنا، لكن لتعاليمه المخالفة للكنيسة إذ كان يقول بأنّ الكلمة ليس بإله، بل بما أنه “مولود” من الله الآب فهو لا يُشاركه طبيعتهِ، بل تقوم بينهما علاقة “تبنّي، فلقد تمّ إدانته في أول المجامع الكنسية (مجمع نيقية 325) وبعد موته حرّم واعتبر هرطوقياً.
  7. قديس من الكنيسة الارثوذكسيّة (949 – 1022) التي اعطيت له لقب لاهوتي. ولد في غلاطية وتعلّم في القسطنطينيّة واصبح بعدها رئيساً على دير القديس ماماس. كان سيميون شاعراً جسّد التقليد الصوفي بكتاباته التي بها قال ان الانسان قادر على عيش الخبرة المباشرة لله.
  8. نيسيفورو الأول، من بيزنطية، أصبح امبراطوراً سنة 802 بعد ان أطاح بالامبراطورة ايريني عندما كان حينها وكيلاً للمالية، واستمر في حكمه حتى موته في 16/7/811.
  9. قسطنطين التاسع مونوماكو، ولد حوالي سنة 1000 وتوفي بتاريخ 11/1/1055، أصبح امبراطوراً بتاريخ 11/6/1042 حتى تاريخ وفاته.
  10. وهو دير في القسطنطينية شيّد على اسم القديس الشهيد مامانتي (ماماس باليونانية، من مواليد القيصرية في حوالي القرن الثالث الميلادي)، وهذا القديس مشهور في جميع التقاليد وسيرة حياته شبه اسطورية اذ انه استشهد صغير السن وكذلك ابواه، في معظم بلدان اوروبا نجد عدة كنائس على اسمه.
  11. تأسس الدير سنة 979 وترتبط أحداث تأسيس الدير ارتباطًا وثيقًا بالفترة العاصفة التي مرت بها الإمبراطورية البيزنطية عند وفاة جيوفاني الأول زيميسكي. كان الراهب الحاضر في لافرا هو القديس أثناسيوس والذي كان قبل دخوله إلى الحياة الرهبانية جنرالًا جورجيًا، ظلت إيفورونا مركزًا رهبانيًا جورجيًا مهمًا حتى القرن السادس عشر الذي تبعه الرهبان اليونانيون، ويحتوي الدير اليوم على مكتبة تحوي جميع الأعمال التي تعود إلى العصر الجورجي.
  12. تأسس الدير عام 1083 على يد الأمير غريغوري باكوريانوس، رجل دولة وقائد عسكري بارز في الخدمة البيزنطية، كدير أرثوذكسي يهيمن عليه الجورجيون. أقام (مدرسة) للشباب في الدير. شمل المنهج الدين وكذلك الرياضيات والتاريخ والموسيقى. في القرن الثالث عشر فقد الرهبان الجورجيون والخلسيدونيون الأرمن من دير بيتريتسيوني (باتشكوفو) سيطرتهم على الدير، ولكن تم الحفاظ على تقاليدهم حتى بداية القرن الرابع عشر. لا يزال الإنجيل الأرمني من القرن العاشر الذي جاء من هذا الدير موجودًا حتى اليوم.