مقدمة

التكريس هو عمل وثمرة الروح القدس، يكشفها ويهبها لأشخاص اختيروا بمبادرة مجانية من الله الأب، ليعملوا حسب وصاياه ويجسدوا مشيئته من خلال تلبيتهم لنداء ودعوة ابنه في التلمذة والاتباع. على غرار دعوة إبراهيم “اترك ارضك وعشيرتك وأهل بيتك وأرحل الى الأرض التي أريك” (تك12: 1) ودعوة صموئيل “فجاء الرب ووقف ودعا كالمرات الاول صموئيل صموئيل. فقال صموئيل تكلم لان عبدك سامع. فقال الرب لصموئيل هوذا انا فاعل امرا في اسرائيل كل من سمع به تطن اذناه” (صم3: 10-11) ومريم العذراء نموذج لكل المكرسين فقالت مريم: “هوذا انا امة الرب. ليكن لي كقولك” (لو1: 38).

الدعوة والانتماء

الحياة المكرسة هي هبة مجانية ومناشدة من الله الآب، الذي يبادر دائمًا بسخاء محبته اللامتناهية، داعيًا اشخاص ليفرّزهم ويخصصهم، للعمل في كرمه وحمل رسالته الخلاصية، بكل غيرة ونشاط. فهو لايزال يبادر ويختار المدعوين عبر تاريخ التدبير الإلهي من دعوة ابينا في الايمان إبراهيم وموسى وبقية الأنبياء والرسل والى يومنا هذا يختار ويدعو وما على المدعو الا ان يتجاوب بكل حرية وتواضع وبجدية المسؤولية الملقاة على عاتقه. “ليس أنتم اخترتموني بل انا اخترتكم، وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر، ويدوم ثمركم، لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي” (يو15: 16).

وهذه الدعوة تتطلب الاصغاء والتمييز والمعرفة لصوت الله المنادي، وسط ضجيج ومشاكل هذا العالم. وهذا لا يمكن أن يتحقق من دون كشف الروح القدس الذي يهبه الله الآب لمختاري ابنه يسوع المسيح، للمدعوين الى التلمذة والاتباع (تعال اتبعني) وكما جاء في إنجيل متى “كل شيء قد دفع الي من ابي وليس أحد يعرف الأبن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب الا الأبن، ومن أراد الأبن أن يعلن له” (متى 11: 27).

إتباع يسوع هي المرحلة الأولى للتعلم والتلمذة ومعرفة حقيقة هويته ورسالته الخلاصية من خلال عيش الخبرة الايمانية ومرافقته ومتابعة ارشاداته فهو الدليل المضمون (تعال وأنظر) وكما جاء في إنجيل يوحنا “فالتفت يسوع ونظرهما يتبعان، فقال لهما ماذا تطلبان؟ فقالا: ربي الذي تفسيره يا معلم، اين تمكث؟ فقال لهما تعاليا وأنظرا فأتيا ونظرا أين كان يمكث، ومكثا عنده ذلك اليوم، وكان نحو الساعة العاشرة” ( يو1: 38-39) 

اذًا الاتباع يتطلب الخبرة الروحية وشهادة إيمانية تتبلور في التجرد وترك كل شيء وافراغ الذات وتحررها من كل الكنوز الفاسدة، لتمتلئ بمحبة الله ومواصلة السير على خطى المعلم وإعلان بشارة مملكة الله. فالحياة المكرسة هي الشهادة الحية والخبرة الايمانية ومن المستحيل ان تتحقق بالشكليات والمظاهر. وتتعارض مع روح العلمنة ولا تتوافق حسب متطلباتها ومعاييرها وتعاملها البشري، فهي سباحة ضد التيار للوصول الى بر الأمان. ومن مميزاتها وأولويتها هي روحية الصلاة والتواضع والصبر والحكمة والفطنة وتمييز الأرواح والمشورة وبقية مواهب الروح القدس. فالحياة المكرسة تتجسد وتتفاعل في الجماعة التي تعيش ديناميكية الحياة المشتركة وتمتلك كاريزما مؤسسها الروحي، و وفق قوانينها وأهدافها وتعطي شهادة حية في عيش المشورات الانجيلية وروح التطويبات من خلال الصلاة والعمل والتعامل الأخوي المبني وفق دستور المحبة والمغفرة وقبول الأخر. وحسب وصايا الرب أحبوا بعضكم بعضًا وفق مقاييس ومعايير الرب، وليس حسب مقاييسنا ومعايرنا البشرية، ولا فقط حسب القوانين والأنظمة الرهبانية. “طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح المحبة الأخوية العديمة الرياء، فأحبوا بعضكم بعضًا من قلب طاهر بشدة” ( 1بط1: 22 )

بالتأكيد هذه هي الجماعة الحقيقية وشاهدة عيان لقيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات. وكانت تسمى عبر التاريخ الرهباني باسم (أبناء القيامة) وهي القلب النابض للكنيسة الذي يضخ الدم في أعضائها وينعش حياتها. وكم لنا في التاريخ الكنسي شهادات وخبرات تعطي أهمية كبيرة لدور وفعاليات الأديرة والرهبانيات في رسالة الكنيسة وعملها التبشيري.

الحياة المكرسة هي في العالم وليست من العالم

الحياة المكرسة هبة من الله الى كنيسته عبر الروح القدس وهي الرئة التي تتنفس بها. وبفضل اعتناق المشورات الانجيلية، تنكشف ملامح يسوع المميزة وتصبح مرئية من خلال النذورات العفة والفقر والطاعة. فهي ليست وليدة اليوم، بل نشأت وترعرعت في أحضانها منذ القرون الأولى. فقد هبّ دومًا وعلى مر الأجيال، رجالاً ونساءً ملبيين نداء الله الآب وبتحفيز من الروح القدس في اتباع المسيح وبذل ذواتهم للرب بقلب غير منازع “فأريد ان تكونوا بلا هم. غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب، واما المتزوج فيهتم فيما للعالم كيف يرضي امراته. ان بين الزوجة والعذراء فرقا غير المتزوجة تهتم فيما للرب لتكون مقدسة جسدا وروحا. واما المتزوجة فتهتم فيما للعالم كيف ترضي رجلها” ( 1قو7: 34-35 ) فهي ليست حقيقة معزولة وهامشية، بل هي من مهام الكنيسة كلها وجزء لا يتجزأ من رسالتها ولم تحصر في مهمة العون والدعم للكنيسة في الماضي وحسب، بل انها لا تزال هبة نفيسة وضرورية لشعب الله اليوم وغدًا، لأنها تمت بطريقة حميمية، الى حياته وقداسته ورسالته.

إن التحديّات التي تواجه الحياة المكرسة اليوم وفي الكثير من دول العالم، يجب الا يحملنا على التشكيك في أن إعتناق المشورات الانجيلية إنما هو جزء لا يتجزأ من حياة الكنيسة التي تستمد منها عزمًا قويًا لمزيد من التحصن الإنجيلي. فلا يخفى على أحد حجم التحديّات التي تواجه الحياة المكرسة في عالمنا اليوم، وسيطرة العلمنة وبدعها الكثيرة على غالبية الناس بأفكارها المشككة. هذا من جانب أما من الجوانب الأخرى، كالصراعات والحروب المستمرة وما خلفته من أنظمة سياسية فاسدة، أدى الى ظهور عصابات إرهابية وميليشيات غير منضبطة وفلتان أمني، دفع الكثير من العقول المفكرة وخيرة أبناء البلد من الشباب الى الهجرة والبحث عن حياة كريمة. وسط أمواج هذه التحديات وقلة الدعوات الرهبانيّة والكهنوتيّة التي نواجها يبقى السؤال ماذا ينبغي علينا أن نفعل؟ وماهي السبل المتاحة لجذب الدعوات الناضجة؟

بالتأكيد هنا، هو واجب القيام بمبادرات جديدة وتفعيل الكاريزما وروحانية المؤسس وتجديد الليتورجية وفق متطلبات العصر وتقوية الأواصر الأخويّة والنضوج والانفتاح الإنساني في الجماعة، لكي تنمو اجتماعيًا ونفسيًا وروحيًا وانسانيًا. والتركيز على بناء شخصية المكرس انسانيًا وليس اداريًا بناء البشر قبل الحجر وهذا ما يؤكده البابا فرنسيس في مواعظه قائلاً (نحتاج أن نفكر دائمًا وبعمق في شعب الله ولا ينبغي أن نشكل اداريين ومدراء، بل آباء وأخوة ورفقاء الدرب. التنشئة هي حرفة تربويّة وليس عمل شرطي) هكذا تنمو فتعطي شهادة حية لعيش الملكوت المصغر من خلال المشورات والتطويبات الانجيلية فتكون علامة فرح ورجاء وسلام لعالم الذي فقد طعم هذه الأذواق فصلوا وأطلبوا من رب الحصاد أن يبعث فعلة لحصاده، فقال لهم: ان الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون. فاطلبوا من رب الحصاد ان يرسل فعلة الى حصاده” (لو10: 2).

الخاتمة

اختم موضوعي هذا بنداء قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي عن الحياة المكرسة إلى الأشخاص المكرّسين بتاريخ 25 آذار 1996 في روما، قائلاً: “ولكني إليكم خصوصاً، أيها النساء والرجال المكرّسون، أوجه ندائي واثقاً، في ختام هذا الإرشاد: عيشوا ملء تقدمتكم لله، لكيلا يُحرم هذا العالم شعاع البهاء الإلهي الذي ينير طريق الوجود البشري. المسيحيون الغائصون في مشاغل هذا العالم وهمومه، والمدعوّون، مع ذلك، هم أيضاً إلى القداسة، هم بحاجة إلى أن يجدوا فيكم قلوباً مُطَهَّرة “ترى” الله في الإيمان، ونفوساً طيّعة لعمل الروح القدس، تسير بنشاط وأمانة لموهبة دعوتها ورسالتها تعلمون جيداً أنكم نهجتم طريق توبة متواصلة وعطاء مطلق لمحبّة الله وإخوتكم، لتشهدوا للنعمة التي تجدّد الوجود المسيحي شهادة أجمل فأجمل. العالم والكنيسة يفتّشان عن شهود للمسيح حقيقيين. والحياة المكرّسة هي نعمة من الله يمنّ بها علينا، لكي نُظهِر أمام عيون الجميع “الحاجة الضروريّة الوحيدة” (لو 10/42). الحياة المكرّسة، في الكنيسة وفي العالم، هدفها المميّز أن تشهد للمسيح بالسيرة والأعمال والكلام”.

الأب دنخا عيسى الراهب

(الجزء الخامس)

2: ب- الخدمة الرسوليّة لدى الرهبان:

2: ب: 1- الموقف الأساس:

لقد أصبح من المعتاد في ايامنا هذه وفي الغرب خصوصاً التحدث عن رهبان ذوو نمط حياة تأمّليّة وآخرون ذوو نمط حياة رسوليّة. هكذا نوع من التمييز ينمّ عن نظام عملي. لكن ليس من المحمود المبالغة في هذه التمييزات، لأن بذلك قد نخاطر بفصل شكلان اساسيان من اشكال الحياة المسيحيّة اللذان هما متّحدان بشكل حميم.

ومن جانب آخر، ففي الاشارة إلى الحياة الرهبانيّة الشرقية، فلهم جلّ الحق أن يعتبروا الحياة الرهبانيّة كقالب، عندما يعرّفونها بشكل جوهري كحياة تأمّليّة، فعلى سبيل المثال فإن يوحنّا كليماكوس1 الذي يلخّص بشكل دقيق النقاط المتعددة للروحانيّة الرهبانيّة، فهو لا يتكلم عن أبداً عن الكنيسة، ولا عن أيّة هرميّة كنسيّة من أيّة درجة كانت، كما لو أن الراهب لا يعيش سوى لنفسه أو لا يتوجّب عليه الاهتمام مطلقاً سوى بالجماعة التي يتواجد فيها، فأيّ نوع آخر من الخدمة الرسوليّة يبقى ممنوعاً عليه بشكل مطلق، ما عدا عندما يصبح رئيساً لتلك الجماعة، الشيء الذي لا يخوّله بشكل صريح بأن يتوق بعد لنيل سرّ الكهنوت.

إن النوع الوحيد من الخدمة الرسوليّة (التبشير) الذي يحدّثنا عنه كليماكوس هو: “المثال الصالح”: إذ يقول: “إن الملائكة هي نور للرهبان، في حين ان الحياة الرهبانيّة هي نورٌ لكل الناس، لذلك فعلى الرهبان ان يجتهدوا لكي يكونوا مثالاً صالحاً للجميع (دون ان يكونوا حجر عثرة لأيّ كان) 2كور 6: 3، في كل ما يعملونه أو يقولونه إذ انه في الحقيقة عندما يستحيل النور إلى ظلام، فكم ستكون حالكة الظلمة الحقيقية؟ (قارن متى 6: 23)، بما معناه اولئك العائشين في العالم!”. لذا فإنّ الوجود البسيط للرهبان فيما عدا ما يقومون باظهاره، فان له تأثيره، إذ لا يوجد هناك شيء في الكون الالهي ان لم يكن لديه انعكاس في أي من اتجاهاته، فعلى الرهبان التعاون من أجل خلاص العالم، ليس بالأفعال، ولكن بشكل جوهري بكمالهم.

عندما يؤكد باسيليوس بأن: “للحياة الزهدية هدف وحيد، ألا وهو خلاص النفس”، فهذا لا يلغي الغيرة الداخلية من أجل خلاص نفوس الآخرين، لكنه يؤسس على خط واحد بأن الزاهد بحد ذاته عليه ألا يركز اهتمامه على الخدمة الرعويّة، الذي قد يعني ان ليس لديه اهتماماً بالانفس. لذا نرى كيف يشرح راهب روسي الحياة الرهبانيّة لأحد اعضاء الكنيسة الانجيلية في زيارته لروسيا في أواخر القرن التاسع عشر، اذ يقول: “إن رسالة الرهبان ليست الدراسة ولا العمل بأي شكل كان، إن رسالتهم هي انشاد الصلوات الطقسية والعيش من أجل صلاح انفسهم والقيام بالاعمال التوبوية من أجل العالم”.

2: ب: 2- دور رهبان القرن الرابع في تبشير الشعوب:

بالرغم من الاهميّة البالغة المعطاة لحياة العزلة والتأمّل، فإننا نجد في حوالي نهاية القرن الرابع بأن المؤسسة الرهبانيّة بصورة عامّة في الشرق كلّه، انه من الممكن اعتبارها كرمز ناجع للتبشير، إذ في كل مقام نجد بأنّ الحياة الرهبانيّة تبلغ بوجود الكنيسة، إذ حيث توجد الكنيسة فهنالك يتواجد الرهبان: في فلسطين وعلى جبل سيناء وفي سوريا وفيما بين النهرين وفي بلاد فارس وفي ارمينيا وكذلك في جورجيا وفي قبدوقية.

وتبرهن دراسات حديثة بأنه في وقت لاحق لمجمع خلقيدونية فاننا لا نجد المتوحدون وحسب وانما النسّاك أيضاً في الشرق كما هو الحال أيضاً في الغرب، انهم كانوا يُرسمون كهنة ليكرّسوا حياتهم لأعمال الرحمة، حيث رُسم منهم كهنة وأساقفة وكان لهم دوراً حاسماً في اهتداء الشعوب إلى المسيحيّة. وهكذا فإن للطابع الشمولي للحياة الرهبانيّة وكذلك لثبوت العناصر الأساسيّة لتشكيلتها يكوّنان مكمّلاً أساسيّاً لحياة الكنيسة مثل عصا الموازنة التي تضع الكنيسة في حالة توازن واستقرار.

2: ب: 3- دور الرهبان في وحدة المسيحيّين:

إنها لحقيقة معرفة بأنّ الرهبان يتحمّلون جزءً من المسؤليّة في النزاعات التي قادت إلى انقسام المسيحيين. فهم قد وثقوا دوماً بأنهم كانوا يخدمون اولئك الذين كانوا يعتبرونهم معلمو الكنيسة الحقيقين، سواء موالين أو مضاددين مثلاً لنسطوريوس2 أو لأوطيخا3 أو لمجمع خلقيدونية4… إلخ. دون الأخذ بنظر الإعتبار النزاعات الحادّة الاخرى ذات المعالم الصغيرة لكنها ليست أقل أهمّيّة من السابقة. لكن فضلاً عن هذا وذاك، وبغض النظر عن كل التعقيدات التاريخية للانقسامات تبقى هناك الحقيقة الأساسيّة القائلة بأن الرهبان لم يظهروا سوى عيش الروحانية المسيحيّة الشاملة. وبهذا فقد قدّموا للعالم المسيحي خدمة عظيمة في التعمّق في فهم المسيحيّة في جوهرها بغض النظر عن كل الاختلافات. فإذا كانوا يقومون بمحاربة الهراطقة فذلك لأنهم كانوا يقرّون بأن المبدأ الأساس للكمال هو الايمان، لكن الشروحات نفسها التي تؤطر الايمان هي سبب الانقسام، يصحّ الحال أيضاً مع نقص المحبّة، لذلك نجد ان الرهبان لم يكونوا محبّذين للاهوت النظري وكانوا يلحّون بالاكثر على العلوم الروحانيّة الملهمة بالمحبّة متيقّنين بان المحبّة هي الطريق الحقيقي والمحافظ الوحيد للوحدة. ويؤكد الراهب يوحنّا موسكو في كتابه “الحديقة الروحيّة” قائلاً: “ثقوا بي يا أبنائي، إن منشأ الانقسامات والهرطقات في الكنيسة المقدّسة ليس الا في كوننا مقصّرين بشكل كبير في المحبّة تجاه الله وتجاه واحدنا الآخر”.

2: ب: 4- دور القدّيس يوحنّا فم الذهب:

يُقال بان المساهمة الاصيلة للقديس يوحنّا فم الذهب انبثقت بعد أن أدخل الحياة الرهبانيّة كجزء من حياة الجماعة المسيحيّة. إذ بعد مسيرة روحيّة طويلة فإن قناعته كانت: “إن القاعدة الاساسيّة للمسيحيّة تتأسّس على خدمة الآخرين”. فالتجربة العظمى للراهب ليست عندما يقصّر تجاه احدى الفضائل المسيحيّة، وإنما تكمن وبشكل اكثر أهمّيّة في استمراره بالسير في طريق الكمال الخاص به دون الاهتمام بخلاص الأخوة.

يفسّر مترجموا حياة القديس يوحنّا فم الذهب دخوله في الحالة الكنسية كترك، إن لم يكن كإدانة لحياة العزلة. إذ ليس هناك من شيء يمكنه أن يبرر هذا التحليل للحوادث ما عدا المعارضة التقليدية بين الحياة التأمّليّة والحياة العمليّة، مع ذلك انه لتعارض دون معنى في العالم الروحي لفم الذهب. ويبدوا ان الجماعات الزهديّة في انطاكية حيث قضى يوحنّا فترة شبابه معها لم تكن لتستبعد المهام الرسولية مع ان افراد هذه الجماعات كانوا يمارسون في الوقت عينه انفصالاً بطولياً عن الخيرات الزمنيّة، وعلى نفس المنهاج فيوحنّا بعد ان أصبح كاهناً ومن ثم اسقفاً فلقد بقي راهباً واستمر على نهج حياة زهديّة داخل جدران قصره الاسقفي، وكان يشدّد القول لأولئك الباقين في حياة العزلة بان الاهتمام بالآخرين ليس موافقاً مع الحياة الرهبانيّة وحسب بل وانما هو اساسي لها، إذ يقول: “يمكنك ان تبقى صائماً وأن تتمدد على الارض الخشنة وتزداد بالرماد وان تبكي دون انقطاع، لكن اذا لم تكن مفيداً للآخرين فانك لا تقوم بممارسات ذات اهمية كبرى”.

ما الذي يشكّل هذا الواجب في ان يكون الرهبان مفيدون للآخرين؟ قبل كل شيء انه يتعلق بأن تكون للصلاة من أجل العالم بأسره مكانا في القلب، فالرهبان “يقدّمون الشكر للعالم بأسره كما لو انهم آباء الانسانيّة كلّها” ويقوّون اولئك الذين هم رؤساء للكنيسة بصلواتهم، وفضلاً عن هذا نجد مثالهم الصالح بممارسة التجرّد فانهم بذلك درس حيّ يذكّر الكلّ بالحقيقة القائلة بأننا غرباء وحجّاج على هذه الأرض.

يوصي يوحنّا فم الذهب بإقامة الرياضات الروحيّة التي تدوم من اثنين إلى ثلاثة أيّام بالقرب من “قلالي القدّيسين”، إذ كان هو بذاته في أيّام شبابه يقوم مراراً بحجٍّ صوب المتوحّدين. إذ يتوجب الذهاب بين الحين والآخر إلى الصحراء من أجل: “رؤية الدمار الذي يحيق بطغيان الشيطان، وكذلك رؤية ملكوت المسيح في أوجّ بهائِه. إن تاريخ الخلاص مليءٌ بالرموز وانه لمن المُهم حتى يومنا هذا ان تعلن الحقيقة بالرموز. والرهبان هم تلك “الرموز” فَهُم: “كالاضواء التي تنير الارض بكلِّ ما فيها”.

لكن إذا كان فم الذهب بذاته يدعو وبمصطلحات شعريّة مؤمنيه وبشكل متواتر للذهاب صوب الرهبان، فالأخيرون تبعاً لهكذا ظروف عليهم ان يوفّروا ضيافة لائقة لأولئك الذين يزورونهم، وفي الحقيقة فان هكذا نوع من ضيافة قد اصبح واحداً من العناصر الاساسيّة للتقليد الرهباني. لذا يمكننا ان نلاحظ كيف ان هذه الممارسة قد تطوّرت بسرعة في خدمة الاعمال الخيريّة. علاوة على ذلك، فلقد كانت استعمالاً سائداً في أنطاكية إذ أن الاماكن المنعزلة هناك كانت قريبة جدّاً من المدن وكان من المعتاد التماس الرهبان من اجل اظهار بعض من اعمال الخير. لذلك لا يعتبر فم الذهب مخترعا لهذا النوع من الخدمة وعمل الخير لدى الرهبان حتى لو انه لم يكن ليتوقف ابداً عن الإلحاح على الشكل الجوهري لهذا الدور في الحياة الرهبانيّة. ويقل اهتمامه في ان يخصص الزاهد نفسه لخدمة المرضى أو السجناء أو ان يتقلّد ببساطة دور المربي، الشيء الذي كان يأمله هو وجود الرهبان في اجواء مسيحيّة للكشف عن عظمة الكمال المسيحي للجميع.

لكن مع فم الذهب تبدأ، أو من الافضل أن نقول يعاد تأكيد الممارسة القائلة بتوكيل احدى المهام الكنسية لأحد الرهبان، كأن يكون اسقفاً أو أي تفصيلات أخرى لها علاقة على سبيل المثال بمَهَمَّةٍ معينة.

2: ب: 5- الدور الحيوي للتطور والنمو الشخصي:

ان السبب من وراء الدخول إلى الحياة الرهبانيّة هو انه يتم قبول دعوة الله، الآن هذه الدعوة لا يمكن أن تبقى ثابتة في قوالب غير قابلة للتغيير، فان صوت الله يتوجه بشكل مختلف إلى المبتدئين أو الكاملين. ومن المحتمل أن يحدث أن مَهَمّة رسولية تقع على عاتقهم، كما حدث للرسل، في أن يكونوا مدعووين للكرازة بالإنجيل في إحدى بقاع الأرض.

لكن بحسب التقليد الشرقي الطويل فإن “مَهَمَّة رسوليّة” تقترح “حياة رسولية” أي بما معناه قداسة مماثلة لقداسة الرسل. لقد كتب أمّونيوس5 تلميذ القديس انطونيوس في احدى رسائله قائلاً: {ان الله سيرسل معتزليه بين الناس فقط عندما يكونوا قد اقتنوا جميع الفضائل… إذ انه لا يستطيع ارسال انفساً لبنيان البشر في الوقت الذي يكون لتلك الانفس بعض النواقص. وهكذا فان اولئك الذين ينطلقون دون أن يكونوا قد وصلوا إلى الكمال فهم حاضرون بحسب ارادتهم وليس بحسب مشيئة الله، والرب سيوبّخهم قائلاً: “أنا لم أرسلهم قط، وهم شرعوا بالركض [قا: إرميا 23: 1]”}. فأمّونيوس هنا يتحدّث عن المتوحدين ، أمّا باسيليوس يفكّر بنفس التفكير لكن بخصوص الديرانيين.

بإختصار، ان هناك شرطان محدّدان للإعلان عن حالة المرسل كـ:”رسول” تجاه الآخرين، الشرط الأول وهو سلبي: عدم المخاطرة بتحمّل أيّة معاناة ذات ضرر روحي، والاخر هو إيجابي: أن يمتلك هبة الكلام. وهذا ما يتطلب أصلاً من أي أبٍ روحي. وبدون هذه الهبة لا يمكنه ان يقول اية كلمة نصح، لذا فإن حسن الكلام يجب أن يعطي هوية ذلك الذي يعلّم. يلمّح مترجم سيرة حياة سيميوني اللاهوتي الجديد بأن هذان الشرطان يتوفران لدى القديس: “إن فكره كان أشبه بفكر الرسل، لأن الروح القدس كان يقود تحركاته، وكان له أيضاً هبة الكلمة، إذ كانت تفترش على شفتيه كما كان الحال مع الرسل، كان جاهلاً مثلهم، وكان يتكلّم عن الله ويعلّم المؤمنين بكتب ملهمة”.

تأليف: توماس شبِدْلِكْ / ترجمة: الأنبا سامر صوريشو يوحنا الراهب

الهوامش:

  1. القديس يوحنّا كليماكوس (575 – 650): ويعرف أيضاً بلقب القديس يوحنّا سلّم الفردوس أو يوحنّا المعلّم أو يوحنّا السينائي، ولد في سوريا وانتقل ليصبح  أحد رهبان دير جبل سيناء في الـ16 من عمره، تتلمذ على يد الراهب مارتيريوس، عاش متنسكا في احدى مغارات الجبل لمدى 20 عاماً، كرسها لدراسة العقائد المسيحية وحياة القديسين، حيث كتب العديد من الكتب العقائدية أيضاً، أشهرها كتاب سلّم الفردوس، تكرمه الكنيستان الكاثوليكية (30 آذار)، والأرثوذكسية (الأحد الرابع من زمن الصوم).
  2. نسطوريوس: (386 – 451) أسقف القسطنطينة من 428 إلى 431. ولد نسطور في مدينة مرعش ضمن ولاية سوريا الرومانية، وتلقى علومه اللاهوتية على يد ثيودوروس المصيصي في أنطاكية. وفي عام 428 م عينه الامبراطور ثيودوسيوس الثاني بطريركا للقسطنطينية خلفا لسيسنيوس الاول. تم عزله في مجمع افسس بعد اتهامه بالهرطقة، وفي عام 435 تم نفيه إلى مونستاري بالقرب من الخارجة في مصر. وخلال الرحلة تعرض موكب نسطوريوس إلى هجوم من قبل العصابات مما أدى إلى جرحه. أحرقت كتابات نسطوريوس بأمر من ثيودوسيوس الثاني، وبقيت شذرات منها حفظت باللغة السريانية. حاول نسطوريوس التوفيق بين تصورين لاهوتيين مختلفين حول المسيح، كان الاول يؤكد على أن المسيح الله قد ولد كانسان من العذراء، مما يعني أن العذراء هي أم الله، بينما أصر الفريق الثاني على أن الله كجوهر خالد لا يمكن أن يولد من أحد. لذلك اقترح نسطوريوس تسوية بين الفريقين بأن دعى مريم العذراء أم المسيح عوضا عن أم الله. غير أن هذا الحل لم يحظ بقبول أيا من الفريقين. هاجم البابا قيرلس الأول (بطريرك الإسكندرية) آراء نسطوريوس معتبرا اياها متعارضة مع التجسد الالهي في المسيح، مما دعى الامبراطور ثيودوسيوس الأول إلى عقد مجمع أفسس الأول 431 لمناقشة القضية. كان الامبراطور داعما لنسطوريوس غير أن قيرلس نجح في كسب بابا روما كلوستين الأول إلى جانبه، وبالتالي نجحوا في إدانة نسطوريوس بالهرطقة وعزله عن كرسي القسطنطينة. خلال انعقاد المجمع وصل يوحنا الاول بطريرك أنطاكية ومعه أساقفة الشرق، ولما وجدوا أن البابا قيرلس الاول ومن معه نجحوا في إدانة نسطوريوس عقدوا مجمعهم وأدانوا فيه قيرلس، ورفع كلا الجانبين دعواهما إلى الامبراطور الذي عزل كلا من نسطوريوس وقيرلس ونفاهما، خلال الاشهر التالية عزل 17 أسقفا من الذين أيدوا نسطوريوس كما أجبر يوحنا الاول على انكار النسطورية في آذار 433. وتم التأكيد على هرطوقية آراء نسطوريوس مرة أخرى في مجمع خلقدونية 451. ورغم الحرمان إلا أن آراء نسطوريوس استمرت وحظيت بالعديد من الاتباع الذين يتحدثون بالسريانية بشكل اساسي، وقد استمرت الكنيسة بقوة في شرق نهر الفرات في حماية الامبراطورية الساسانية كما انتشرت باتجاه الشرق حيث وصلت إلى المغول واعتنقتها قبائل النايمان المغولية. للمزيد من المعلومات التاريخية الدقيقة يرجى مراجعة كتاب الأب منصور المخلّصي، مدرسة أنطاكيا، بغداد 2007، وكذلك كتاب تاريخ الكنيسة 1999، وكتاب الأب البير أبونا عن تاريح كنيسة المشرق الجزء الأول بغداد 1998.
  3. كان اوطيخا (حوالي 380 – 456) مُدافعاً عن عقيدة الطبيعة الواحدة، أي أن للمسيح طبيعة واحدة بعد التجسّد، بحيث يؤدي ذلك إلى تلاشي الإنسانية في الألوهية وإلى إفراغ حدث التجسّد من معناه والتي تعنى أن الناسوت قد ذاب في اللاهوت. أي أن الطبيعتين قد امتزجتا معاً في طبيعة واحدة (المونوفيزيّة). لقد آمن اوطيخا بوجود طبيعتين للمسيح قبل التجسد، غير انه لم يعترف سوى بطبيعة واحدة بعد التجسد معتقدا بأن اللاهوت قد امتص الناسوت الذي ذاب في اللاهوت كما تذوب نقطة عسل عندما تسقط في محيط من الماء. أدانه مجمع خلقيدونية سـنة 451. وفي سنة 475 قام البابا تيموثاوس الثاني (الشهير بأوريلُّوس) بعقد مجمع عام آخر في أفسس (يلقبه البعض مجمع أفسس الثالث) وفي هذا المجمع حرّمت تعاليم أوطيخا وتعاليم نسطوريوس ورفض مجمع خلقيدونية.
  4. مجمع خلقيدونية: انعقد سنة 451، ويُعتبر من أهمّ المجامع، إذ نجم عن هذا المجمع انشقاقٌ أدّى إلى ابتعاد الكنائس الشرقيّة: (القبطيّة والأرمنيّة والسريانيّة) عن الشركة مع الكنيستين الرومانيّة والبيزنطيّة. رفضت الكنائس الشرقيّة اصطلاح “طبيعتين” الذي كان يوازي عندهم لفظة (شخصين). وكانوا يفضلون عليها تعابير أخرى وردت عند البابا كيرلّس مثل عبارة “طبيعة واحدة” في قولته الشهيرة: “طبيعة واحدة للإله الكلمة المتجسد”، الخلقيدونيين يقولون إنه إن كان مجمع خلقيدونية قد سبب إنشقاقًا في الكنيسة، فإنهم يرون أن ما حدث كان ردة فعل لمجمع أفسس الثاني 449، الذي دعاه لاون أسقف روما بمجمع اللصوص، إذ لم يقبل بنتائجه ومنح الحل الكنسى لثيئودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة. وحدث أن الإمبراطور ثيئودوسيوس قد سقط من على ظهر جواده، مما أدى إلى وفاته في 28 يوليو عام 450 وتولت أخته بولكاريا السلطة وتزوجت من القائد مركيان، وأعلنت مركيان إمبراطوراً في 28 أغسطس من نفس العام. وفى 15 مايو عام 451 صدر المرسوم الإمبراطوري بعقد مجمع عام في نيقية. وبحلول أول سبتمبر وصل الأساقفة إلى نيقية ولكنهم أمروا أن يتجهوا إلى خلقيدونية القريبة من القسطنطينية. فاجتمع حوالي 500 أسقف في كنيسة القديسة أوفيمية، وعقدت الجلسة الأولى للمجمع في 8 أكتوبر عام 451. في تلك الجلسة نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذي برأه مجمع أفسس الثانى 449م، فقال “إذا كان أوطيخا يتمسك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتى النار (أي جهنم) أيضاً. ولكن اهتمامي إنما هو بالإيمان الجامع الرسولي وليس بأي إنسان أياً كان”. وقال أيضاً في نفس الجلسة من المجمع الخلقيدونى: “أنا أقبل عبارة من طبيعتين بعد الاتحاد، وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفي قبوله لعبارة “من طبيعتين بعد الاتحاد” أراد أن يؤكّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو إختلاطهما. ومن الواضح أن القديس ديسقوروس أعلن حرماً ضد الهرطقة الأوطاخية في وقائع مجمع خلقيدونية، وإن كان قد سُمح له بإكمال خدمته الرسولية كمدافع عن الإيمان وإن كان قد تم الأخذ بصيغه الإيمانية وضمنت، لما حدث إنقسام في الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية، وكان هذا سوف يعد دفاعاً تضامنياً عظيماً ضد الهرطقة الأوطاخية يقف إلى جانب المجمع المسكوني الثالث في أفسس 431م. كان يمكن للمجمع أن يوفق بين بابا روما وبابا الأسكندرية بواسطة حل مشكلة ثيئودوريت أسقف قورش وتعليمه ضد القديس كيرلس الأسكندري. لكن المحزن هو أن البابا ديسقوروس قد تم عزله ونفيه.
  5. القديس أمّونيوس كان ناسكاً مسيحيًا من القرن الرابع في صحراء نيتريا ومؤسسًا لواحدة من أكثر الجماعات الرهبانيّة المشهورة في مصر. ذكره القديس أثناسيوس في حياة القديس أنطونيوس. بعد أن أجبراه والديه للزواج وهو في سن العشرين، تمكن من إقناع عروسه بأداء نذر العفة معه، وقد عاشا معًا بهذه الطريقة لمدة 18 عامًا وبعدها افترقا بناءً على رغبتهما، وعاش 22 عامًا في صحراء نيتريا. توفي عن عمر يناهز الـ62 عامًا، أي قبل وفاة القديس أنطونيوس حوالي عام ٣٦٥، حيث ذكره القديس انطونيوس قائلاً: “رأيت روح أمّونيوس تحملها الملائكة إلى السماء”.