المقدمة

الدعوة هي نداء من الله الآب لكل معمّذ، فهو مدعو للتلمذة والعمل لتحقيق مشروع الله وتدبيره الخلاصي، لإنشاء وبناء عالمٌ يسوده المحبة والعدالة والسلام، وهذا ما يتطلّب تجاوبًا ومشاركةً وقبولاً وتسليمًا كاملاً وطاعةً حرّه، لتتميم إرادة الله والعمل بمسؤولية جادّة، وتلبية نداء الله الآب من أجل بناء حضارة المحبة والحياة الكريمة، لمستقبل أفضل لكل الأجيال. من الضروري إذاً اكتشاف وإختبار الدعوة ومعرفة الكاريزما وروحانيّة المؤسسة وإختيار البيئة الملائمة والحقل الخصب، ليكون نقطة إنطلاق للعمل الرعوّي والتبشيري.

الداعي والمدعو

الدعوة قبل كل شيء هي جواب المدعو بقوله نعم للداعي، الذي يدعوه قائلاً “تعال إتبعني، ها أنذا يا رب خادمك ليكن لي حسب مشيئتك”، على غرار إبراهيم أبينا في الإيمان الذي ترك أرضه وعشيرته وسار مع الله الى المجهول، وصموئيل الذي أصغى الى كلام الله مكرسًا ذاته، وإرميا الذي كرّس ذاته كلياً لله وتلميذه إيليشاع الذي ترك وتبع الله، ثم بقية الأنبياء والرسل، وأمنا مريم العذراء التي أصغت وتأملت وحفظت كلمة الله وحملتها في إحشائها وولدت الابن يسوع المسيح “وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا” (لو2: 19).

الدعوة هي كالبذرة الصغيرة، يسميها الإنجيل حبة خردل وهي أصغر البذور، فإن لم تقع في أرضٍ خصبة تموت ولن تعطي ثمارًا. لا يكفي عامل الخصوبة، إن لم تكن هناك رعاية وإهتمام وبيئة حاضنة وملائمة. يشبهها الإنجيل أيضًا بالمزارع الذي بذر الحبوب في حقل واسع ومتنوع، بالرغم من عدم جودة بعض الحقول وخصوبة في الأخرى، فأعطى ثمارًا وبنسب متنوعة مِئَةً وسِتِّينَ وثَلاَثِينَ “وَأَمَّا الْمَزْرُوعُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَيَفْهَمُ. وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِثَمَرٍ، فَيَصْنَعُ بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ” (متى13: 23) والدعوة تكمن في الأصغاء والتأمل، بكلمة الله وإسكات الأصوات التي نَسمعها عِبرَ القنوات الفضائية ومن خلال وسائل التواصُل الاجتماعي وبشكل خاص الأصوات الناشزة والتي تُحدِث تشويشًا. لكي نصغي بوضوح لصوت الله المنادي ونميزه عن بقيّة الأصوات، سيتطلب هذا إفراغ الذات، بالترك والتجرّد من الأنا العليا وجمح غرائزها وشهواتها، والتجرّد من السلطة والتسلط والشموخ والتكبر وجشع التملك. هذا ما نراه جليًا في مجتمعاتنا الدوليّة وساستهم المتكلين على القوة الاقتصاديّة والعسكريّة والمعتدين على الطاقة العقليّة والإستقلال التام عن الله الخالق، وهذا ما تروّجه العلمنة الملحدة في عالمنا المعاصر. بالتأكيد هذا الاصغاء والانتباه لا يأتي إلا من خلال الصلاة والتأمل وحفظ كلام الرب والعمل بوصاياه وإرشاداته وإختبارها وعيشها في واقع الحياة اليومية، ومن خلال هذه الخبرة الإيمانيّة تتبلور وتتوضح فكرة الدعوة والإتباع. بعد التأكد من مصدر الصوت تنمو في المدعو الرغبة الى الصلاة والتأمل بصمت، وعيش التكريس الذاتي في الجماعة المكرّسة، من خلال النذورات والمشورات الإنجيليّة، ومن ثم ينتابه الشعور بالإرتياح والسلام الباطني، رغم كل الصعوبات وتحديّات وإغراءات العلمنة وأفكارها وشعاراتها الرنانة ووعودها في الحصول على السعادة المزيفة.

الاختيار والتمييز

الاختيار وتمييز الدعوات، هما من أصعب القرارات، التي تواجه أغلب المدعوين للمشاركة وحمل المسؤوليّة على كافة أصعدة الحياة، وبشكل خاص الحياة المكرسة. هناك الكثير من الاختيارات ومجالات العمل المتنوعة والمتشعبة في نمط إسلوبها وأهدافها ورسالتها، على سبيل المثال المؤسسات الرهبانية بكل تسمياتها، والأخويات المكرّسة والجمعيات الخيريّة والاكليريكيات والمؤسسات والمعاهد الكهنوتية. أما من جانب الحياة العلمانيّة هناك اختيارات عديدة، منها إختيار نمط الدراسة وإختيار نوعيّة المهنة والوظيفة، وإختيار شريك الحياة وتكوين الأسرة والتي تعتبر النواة الأولى في المجتمع. هنا يكمن دور وأهميّة الاختيار وتمييز الدعوة وخاصةً لدى المدعو الى الحياة المكرسة، وهذا هو موضوع مقالنا حول الدعوة والاختيار. بالنسبة للحياة المكرسة الاختيار يأتي بمبادرة من الله الأب (الداعي) يختار من يشاء، وما على المكرس (المدعو) إلا أن يتجاوب بحريّة وتواضع وفرح “لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ، لِكَيْ يُعْطِيَكُمُ الآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِاسْمِي” (يو15: 16).  

الاختيار والتمييز هما صورتان لعملة واحدة، وهي الدعوة الى التكريس، فالتمييز يساعد المدعو أن ينظر الى الأحداث وقضايا وأزمات العالم بعيون الإيمان، فيقرأ الحاضر بمنظار المستقبل، ويعرف ويفهم الفرق بين ما هو من روح وعمل الله، وبين ماهو من روح الشيطان ومقاصده الخبيثة، فمن ثمارهم تعرفونهم كما يقول الرب لنا في إنجيله ” مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟ هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَة” (متى7: 16-18) اذًا هناك علامات ورموز ترشدنا الى التمييز، وهذا ما يكشفه لنا الروح القدس روح المشورة والحكمة والفطنة، فنتمكن من تمييز الأنبياء الكذبة والمرائيين، والتمييز ضروري ومهم لاختيار البيئة الملائمة، لنمو بذرة الدعوة وبلوغها مرحلة النضج وهذا دائماً مع الخبرة الروحيّة والصلاة والتأمل، سيكتشف المدعو ذاته وقدراته ومؤهلاته، فيسخرّها مع الجماعة والاخوة التي ينتمي اليها لخدمة الكلمة وتحقيق الملكوت الأرضي.

إخيراً، الاختيار والتمييز يساعدان المدعو على إكتشاف وإدراك ذاته، وإستيعاب قدراته ومدى تأثيره وتأثره على الجماعة أو الحياة المشتركة، فعلى المدعو أن يتحاور ويتساءل مع نفسه من أنا ولماذا دعاني الرب؟ وماذا يريد مني؟ وعن أي شيء أبحث؟ وماذا ينبغي أن أفعل؟

الدعوة والبيئة الملائمة

في إنجيل يوحنا نقرأ “هُوَذَا حَمَلُ اللهِ”، وتشير شهادة يوحنا المعمدان هنا الى يسوع قائلاً: “وَفِي الْغَدِ أَيْضًا كَانَ يُوحَنَّا وَاقِفًا هُوَ وَاثْنَانِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِيًا، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ!». فَسَمِعَهُ التِّلْمِيذَانِ يَتَكَلَّمُ، فَتَبِعَا يَسُوعَ. فَالْتَفَتَ يَسُوعُ وَنَظَرَهُمَا يَتْبَعَانِ، فَقَالَ لَهُمَا: «مَاذَا تَطْلُبَانِ؟» فَقَالاَ: «رَبِّي، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَيْنَ تَمْكُثُ؟» فَقَالَ لَهُمَا: «تَعَالَيَا وَانْظُرَا». فَأَتَيَا وَنَظَرَا أَيْنَ كَانَ يَمْكُثُ، وَمَكَثَا عِنْدَهُ ذلِكَ الْيَوْمَ. وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ الْعَاشِرَةِ” (يو1: 35-39) تعالا وأنظرا تعني إتبعاني واختبرا حياتي وأمكثا معي حيث أقيم.

الدعوة مرتبطة بالإقامة والمرافقة المتواصلة وعيش الأفخارستيا والجلوس عند قدمي يسوع للأصغاء إلى تعاليمه وأحكامه والعمل في كرمه بفرح وتواضع وخدمة مجانيّة. هناك علاقة متينة بين الدعوة والبيئة المنشئة روحيًا وإنسانيًا وثقافيًا التي تحتضن الدعوة وتنميها وتثبتها كالأرض الخصبة التي تنبت فيها البذور وتصير أشجارًا وتعطي ثمارًا طيبة، فحيث تكون المحبة الصادقة هناك يكون مسكن الله، وهكذا تقّدم الجماعة الرهبانيّة أو الاكليريكيّة والجماعات المكرسة، شهادة حية بعيشهم ملكوت الله المصغر على الأرض.

هذه الشهادة لا تعطى إلا من خلال الصلاة والعمل وعيش التطويبات والمشورات الإنجيليّة والتبشير، فالأولوية هي للصلاة والتأمل والشركة والمقاسمة على مثال الجماعة المسيحية الأولى والذين كان كل شيء مشتركًا بينهم ” وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ” (اع2: 42) فالبيئة الملائمة تعني مفهوم الجسد الواحد لأعضاء كثيرة تربطهم المحبة وينعشهم ويثبتهم الروح القدس، كمادة السمنت التي تمسك وتثبت احجار البناء. “أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا” (1كو12: 12) فالبناء الروحي والإنساني والثقافي وتقوية أواصر المحبة الأخويّة، من خلال التواصل والمرافقة الروحيّة والنفسيّة والاصغاء والحوار والشركة والمقاسمة وبناء جسور الثقة ومواجهة كل التحديات والصعوبات بطرق وأساليب رهبانيّة هي من أهم خصائص لإكتشاف الحياة الرهبانيّة.

الخاتمة

 الغاية من هذا المقال هو لمراجعة شاملة وإعادة التنظيم والنظر الى كل الأحداث والتحديات على كافة المستويات، وتفعيل الكاريزما وروحانيّة مؤسسي الحياة المكرسة والجمعيات والمؤسسات الدينيّة، لأننا نواجه صعوبات وأخطار كثيرة ومنها أزمة الدعوات الكهنوتيّة والرهبانيّة، ولأسباب عديدة منها الهجرة وعدم الإستقرار ومنها ظهور البدع والأفكار الغريبة والرؤية الغير واضحة للمستقبل المسيحي، لهذا ما نحتاجه اليوم هو تكاثف الجهود والنوايا الطيبة، والعمل المشترك وتسخير كل الطاقات والمؤهلات.

أخيراً ما نحتاجه هو الصلاة والتأمل وروح التواضع والخدمة بمحبة وفرح، مستوحاة من روحيّة أبائنا المشرقين.

الأب دنخا عيسى الراهب

  مقدمة

التكريس هو عمل وثمرة الروح القدس، يكشفها ويهبها لأشخاص اختيروا بمبادرة مجانية من الله الأب، ليعملوا حسب وصاياه ويجسدوا مشيئته من خلال تلبيتهم لنداء ودعوة ابنه في التلمذة والاتباع. على غرار دعوة إبراهيم “اترك ارضك وعشيرتك وأهل بيتك وأرحل الى الأرض التي أريك” (تك12: 1) ودعوة صموئيل “فجاء الرب ووقف ودعا كالمرات الاول صموئيل صموئيل. فقال صموئيل تكلم لان عبدك سامع. فقال الرب لصموئيل هوذا انا فاعل امرا في اسرائيل كل من سمع به تطن اذناه” (صم3: 10-11) ومريم العذراء نموذج لكل المكرسين فقالت مريم: “هوذا انا امة الرب. ليكن لي كقولك” (لو1: 38).

الدعوة والانتماء

الحياة المكرسة هي هبة مجانية ومناشدة من الله الآب، الذي يبادر دائمًا بسخاء محبته اللامتناهية، داعيًا اشخاص ليفرّزهم ويخصصهم، للعمل في كرمه وحمل رسالته الخلاصية، بكل غيرة ونشاط. فهو لايزال يبادر ويختار المدعوين عبر تاريخ التدبير الإلهي من دعوة ابينا في الايمان إبراهيم وموسى وبقية الأنبياء والرسل والى يومنا هذا يختار ويدعو وما على المدعو الا ان يتجاوب بكل حرية وتواضع وبجدية المسؤولية الملقاة على عاتقه. “ليس أنتم اخترتموني بل انا اخترتكم، وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر، ويدوم ثمركم، لكي يعطيكم الآب كل ما طلبتم باسمي” (يو15: 16).

وهذه الدعوة تتطلب الاصغاء والتمييز والمعرفة لصوت الله المنادي، وسط ضجيج ومشاكل هذا العالم. وهذا لا يمكن أن يتحقق من دون كشف الروح القدس الذي يهبه الله الآب لمختاري ابنه يسوع المسيح، للمدعوين الى التلمذة والاتباع (تعال اتبعني) وكما جاء في إنجيل متى “كل شيء قد دفع الي من ابي وليس أحد يعرف الأبن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب الا الأبن، ومن أراد الأبن أن يعلن له” (متى 11: 27).

إتباع يسوع هي المرحلة الأولى للتعلم والتلمذة ومعرفة حقيقة هويته ورسالته الخلاصية من خلال عيش الخبرة الايمانية ومرافقته ومتابعة ارشاداته فهو الدليل المضمون (تعال وأنظر) وكما جاء في إنجيل يوحنا “فالتفت يسوع ونظرهما يتبعان، فقال لهما ماذا تطلبان؟ فقالا: ربي الذي تفسيره يا معلم، اين تمكث؟ فقال لهما تعاليا وأنظرا فأتيا ونظرا أين كان يمكث، ومكثا عنده ذلك اليوم، وكان نحو الساعة العاشرة” ( يو1: 38-39) 

اذًا الاتباع يتطلب الخبرة الروحية وشهادة إيمانية تتبلور في التجرد وترك كل شيء وافراغ الذات وتحررها من كل الكنوز الفاسدة، لتمتلئ بمحبة الله ومواصلة السير على خطى المعلم وإعلان بشارة مملكة الله. فالحياة المكرسة هي الشهادة الحية والخبرة الايمانية ومن المستحيل ان تتحقق بالشكليات والمظاهر. وتتعارض مع روح العلمنة ولا تتوافق حسب متطلباتها ومعاييرها وتعاملها البشري، فهي سباحة ضد التيار للوصول الى بر الأمان. ومن مميزاتها وأولويتها هي روحية الصلاة والتواضع والصبر والحكمة والفطنة وتمييز الأرواح والمشورة وبقية مواهب الروح القدس. فالحياة المكرسة تتجسد وتتفاعل في الجماعة التي تعيش ديناميكية الحياة المشتركة وتمتلك كاريزما مؤسسها الروحي، و وفق قوانينها وأهدافها وتعطي شهادة حية في عيش المشورات الانجيلية وروح التطويبات من خلال الصلاة والعمل والتعامل الأخوي المبني وفق دستور المحبة والمغفرة وقبول الأخر. وحسب وصايا الرب أحبوا بعضكم بعضًا وفق مقاييس ومعايير الرب، وليس حسب مقاييسنا ومعايرنا البشرية، ولا فقط حسب القوانين والأنظمة الرهبانية. “طهروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح المحبة الأخوية العديمة الرياء، فأحبوا بعضكم بعضًا من قلب طاهر بشدة” ( 1بط1: 22 )

بالتأكيد هذه هي الجماعة الحقيقية وشاهدة عيان لقيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات. وكانت تسمى عبر التاريخ الرهباني باسم (أبناء القيامة) وهي القلب النابض للكنيسة الذي يضخ الدم في أعضائها وينعش حياتها. وكم لنا في التاريخ الكنسي شهادات وخبرات تعطي أهمية كبيرة لدور وفعاليات الأديرة والرهبانيات في رسالة الكنيسة وعملها التبشيري.

الحياة المكرسة هي في العالم وليست من العالم

الحياة المكرسة هبة من الله الى كنيسته عبر الروح القدس وهي الرئة التي تتنفس بها. وبفضل اعتناق المشورات الانجيلية، تنكشف ملامح يسوع المميزة وتصبح مرئية من خلال النذورات العفة والفقر والطاعة. فهي ليست وليدة اليوم، بل نشأت وترعرعت في أحضانها منذ القرون الأولى. فقد هبّ دومًا وعلى مر الأجيال، رجالاً ونساءً ملبيين نداء الله الآب وبتحفيز من الروح القدس في اتباع المسيح وبذل ذواتهم للرب بقلب غير منازع “فأريد ان تكونوا بلا هم. غير المتزوج يهتم فيما للرب كيف يرضي الرب، واما المتزوج فيهتم فيما للعالم كيف يرضي امراته. ان بين الزوجة والعذراء فرقا غير المتزوجة تهتم فيما للرب لتكون مقدسة جسدا وروحا. واما المتزوجة فتهتم فيما للعالم كيف ترضي رجلها” ( 1قو7: 34-35 ) فهي ليست حقيقة معزولة وهامشية، بل هي من مهام الكنيسة كلها وجزء لا يتجزأ من رسالتها ولم تحصر في مهمة العون والدعم للكنيسة في الماضي وحسب، بل انها لا تزال هبة نفيسة وضرورية لشعب الله اليوم وغدًا، لأنها تمت بطريقة حميمية، الى حياته وقداسته ورسالته.

إن التحديّات التي تواجه الحياة المكرسة اليوم وفي الكثير من دول العالم، يجب الا يحملنا على التشكيك في أن إعتناق المشورات الانجيلية إنما هو جزء لا يتجزأ من حياة الكنيسة التي تستمد منها عزمًا قويًا لمزيد من التحصن الإنجيلي. فلا يخفى على أحد حجم التحديّات التي تواجه الحياة المكرسة في عالمنا اليوم، وسيطرة العلمنة وبدعها الكثيرة على غالبية الناس بأفكارها المشككة. هذا من جانب أما من الجوانب الأخرى، كالصراعات والحروب المستمرة وما خلفته من أنظمة سياسية فاسدة، أدى الى ظهور عصابات إرهابية وميليشيات غير منضبطة وفلتان أمني، دفع الكثير من العقول المفكرة وخيرة أبناء البلد من الشباب الى الهجرة والبحث عن حياة كريمة. وسط أمواج هذه التحديات وقلة الدعوات الرهبانيّة والكهنوتيّة التي نواجها يبقى السؤال ماذا ينبغي علينا أن نفعل؟ وماهي السبل المتاحة لجذب الدعوات الناضجة؟

بالتأكيد هنا، هو واجب القيام بمبادرات جديدة وتفعيل الكاريزما وروحانية المؤسس وتجديد الليتورجية وفق متطلبات العصر وتقوية الأواصر الأخويّة والنضوج والانفتاح الإنساني في الجماعة، لكي تنمو اجتماعيًا ونفسيًا وروحيًا وانسانيًا. والتركيز على بناء شخصية المكرس انسانيًا وليس اداريًا بناء البشر قبل الحجر وهذا ما يؤكده البابا فرنسيس في مواعظه قائلاً (نحتاج أن نفكر دائمًا وبعمق في شعب الله ولا ينبغي أن نشكل اداريين ومدراء، بل آباء وأخوة ورفقاء الدرب. التنشئة هي حرفة تربويّة وليس عمل شرطي) هكذا تنمو فتعطي شهادة حية لعيش الملكوت المصغر من خلال المشورات والتطويبات الانجيلية فتكون علامة فرح ورجاء وسلام لعالم الذي فقد طعم هذه الأذواق فصلوا وأطلبوا من رب الحصاد أن يبعث فعلة لحصاده، فقال لهم: ان الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون. فاطلبوا من رب الحصاد ان يرسل فعلة الى حصاده” (لو10: 2).

الخاتمة

اختم موضوعي هذا بنداء قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي عن الحياة المكرسة إلى الأشخاص المكرّسين بتاريخ 25 آذار 1996 في روما، قائلاً: “ولكني إليكم خصوصاً، أيها النساء والرجال المكرّسون، أوجه ندائي واثقاً، في ختام هذا الإرشاد: عيشوا ملء تقدمتكم لله، لكيلا يُحرم هذا العالم شعاع البهاء الإلهي الذي ينير طريق الوجود البشري. المسيحيون الغائصون في مشاغل هذا العالم وهمومه، والمدعوّون، مع ذلك، هم أيضاً إلى القداسة، هم بحاجة إلى أن يجدوا فيكم قلوباً مُطَهَّرة “ترى” الله في الإيمان، ونفوساً طيّعة لعمل الروح القدس، تسير بنشاط وأمانة لموهبة دعوتها ورسالتها تعلمون جيداً أنكم نهجتم طريق توبة متواصلة وعطاء مطلق لمحبّة الله وإخوتكم، لتشهدوا للنعمة التي تجدّد الوجود المسيحي شهادة أجمل فأجمل. العالم والكنيسة يفتّشان عن شهود للمسيح حقيقيين. والحياة المكرّسة هي نعمة من الله يمنّ بها علينا، لكي نُظهِر أمام عيون الجميع “الحاجة الضروريّة الوحيدة” (لو 10/42). الحياة المكرّسة، في الكنيسة وفي العالم، هدفها المميّز أن تشهد للمسيح بالسيرة والأعمال والكلام”.

الأب دنخا عيسى الراهب

(الجزء الخامس)

2: ب- الخدمة الرسوليّة لدى الرهبان:

2: ب: 1- الموقف الأساس:

لقد أصبح من المعتاد في ايامنا هذه وفي الغرب خصوصاً التحدث عن رهبان ذوو نمط حياة تأمّليّة وآخرون ذوو نمط حياة رسوليّة. هكذا نوع من التمييز ينمّ عن نظام عملي. لكن ليس من المحمود المبالغة في هذه التمييزات، لأن بذلك قد نخاطر بفصل شكلان اساسيان من اشكال الحياة المسيحيّة اللذان هما متّحدان بشكل حميم.

ومن جانب آخر، ففي الاشارة إلى الحياة الرهبانيّة الشرقية، فلهم جلّ الحق أن يعتبروا الحياة الرهبانيّة كقالب، عندما يعرّفونها بشكل جوهري كحياة تأمّليّة، فعلى سبيل المثال فإن يوحنّا كليماكوس1 الذي يلخّص بشكل دقيق النقاط المتعددة للروحانيّة الرهبانيّة، فهو لا يتكلم عن أبداً عن الكنيسة، ولا عن أيّة هرميّة كنسيّة من أيّة درجة كانت، كما لو أن الراهب لا يعيش سوى لنفسه أو لا يتوجّب عليه الاهتمام مطلقاً سوى بالجماعة التي يتواجد فيها، فأيّ نوع آخر من الخدمة الرسوليّة يبقى ممنوعاً عليه بشكل مطلق، ما عدا عندما يصبح رئيساً لتلك الجماعة، الشيء الذي لا يخوّله بشكل صريح بأن يتوق بعد لنيل سرّ الكهنوت.

إن النوع الوحيد من الخدمة الرسوليّة (التبشير) الذي يحدّثنا عنه كليماكوس هو: “المثال الصالح”: إذ يقول: “إن الملائكة هي نور للرهبان، في حين ان الحياة الرهبانيّة هي نورٌ لكل الناس، لذلك فعلى الرهبان ان يجتهدوا لكي يكونوا مثالاً صالحاً للجميع (دون ان يكونوا حجر عثرة لأيّ كان) 2كور 6: 3، في كل ما يعملونه أو يقولونه إذ انه في الحقيقة عندما يستحيل النور إلى ظلام، فكم ستكون حالكة الظلمة الحقيقية؟ (قارن متى 6: 23)، بما معناه اولئك العائشين في العالم!”. لذا فإنّ الوجود البسيط للرهبان فيما عدا ما يقومون باظهاره، فان له تأثيره، إذ لا يوجد هناك شيء في الكون الالهي ان لم يكن لديه انعكاس في أي من اتجاهاته، فعلى الرهبان التعاون من أجل خلاص العالم، ليس بالأفعال، ولكن بشكل جوهري بكمالهم.

عندما يؤكد باسيليوس بأن: “للحياة الزهدية هدف وحيد، ألا وهو خلاص النفس”، فهذا لا يلغي الغيرة الداخلية من أجل خلاص نفوس الآخرين، لكنه يؤسس على خط واحد بأن الزاهد بحد ذاته عليه ألا يركز اهتمامه على الخدمة الرعويّة، الذي قد يعني ان ليس لديه اهتماماً بالانفس. لذا نرى كيف يشرح راهب روسي الحياة الرهبانيّة لأحد اعضاء الكنيسة الانجيلية في زيارته لروسيا في أواخر القرن التاسع عشر، اذ يقول: “إن رسالة الرهبان ليست الدراسة ولا العمل بأي شكل كان، إن رسالتهم هي انشاد الصلوات الطقسية والعيش من أجل صلاح انفسهم والقيام بالاعمال التوبوية من أجل العالم”.

2: ب: 2- دور رهبان القرن الرابع في تبشير الشعوب:

بالرغم من الاهميّة البالغة المعطاة لحياة العزلة والتأمّل، فإننا نجد في حوالي نهاية القرن الرابع بأن المؤسسة الرهبانيّة بصورة عامّة في الشرق كلّه، انه من الممكن اعتبارها كرمز ناجع للتبشير، إذ في كل مقام نجد بأنّ الحياة الرهبانيّة تبلغ بوجود الكنيسة، إذ حيث توجد الكنيسة فهنالك يتواجد الرهبان: في فلسطين وعلى جبل سيناء وفي سوريا وفيما بين النهرين وفي بلاد فارس وفي ارمينيا وكذلك في جورجيا وفي قبدوقية.

وتبرهن دراسات حديثة بأنه في وقت لاحق لمجمع خلقيدونية فاننا لا نجد المتوحدون وحسب وانما النسّاك أيضاً في الشرق كما هو الحال أيضاً في الغرب، انهم كانوا يُرسمون كهنة ليكرّسوا حياتهم لأعمال الرحمة، حيث رُسم منهم كهنة وأساقفة وكان لهم دوراً حاسماً في اهتداء الشعوب إلى المسيحيّة. وهكذا فإن للطابع الشمولي للحياة الرهبانيّة وكذلك لثبوت العناصر الأساسيّة لتشكيلتها يكوّنان مكمّلاً أساسيّاً لحياة الكنيسة مثل عصا الموازنة التي تضع الكنيسة في حالة توازن واستقرار.

2: ب: 3- دور الرهبان في وحدة المسيحيّين:

إنها لحقيقة معرفة بأنّ الرهبان يتحمّلون جزءً من المسؤليّة في النزاعات التي قادت إلى انقسام المسيحيين. فهم قد وثقوا دوماً بأنهم كانوا يخدمون اولئك الذين كانوا يعتبرونهم معلمو الكنيسة الحقيقين، سواء موالين أو مضاددين مثلاً لنسطوريوس2 أو لأوطيخا3 أو لمجمع خلقيدونية4… إلخ. دون الأخذ بنظر الإعتبار النزاعات الحادّة الاخرى ذات المعالم الصغيرة لكنها ليست أقل أهمّيّة من السابقة. لكن فضلاً عن هذا وذاك، وبغض النظر عن كل التعقيدات التاريخية للانقسامات تبقى هناك الحقيقة الأساسيّة القائلة بأن الرهبان لم يظهروا سوى عيش الروحانية المسيحيّة الشاملة. وبهذا فقد قدّموا للعالم المسيحي خدمة عظيمة في التعمّق في فهم المسيحيّة في جوهرها بغض النظر عن كل الاختلافات. فإذا كانوا يقومون بمحاربة الهراطقة فذلك لأنهم كانوا يقرّون بأن المبدأ الأساس للكمال هو الايمان، لكن الشروحات نفسها التي تؤطر الايمان هي سبب الانقسام، يصحّ الحال أيضاً مع نقص المحبّة، لذلك نجد ان الرهبان لم يكونوا محبّذين للاهوت النظري وكانوا يلحّون بالاكثر على العلوم الروحانيّة الملهمة بالمحبّة متيقّنين بان المحبّة هي الطريق الحقيقي والمحافظ الوحيد للوحدة. ويؤكد الراهب يوحنّا موسكو في كتابه “الحديقة الروحيّة” قائلاً: “ثقوا بي يا أبنائي، إن منشأ الانقسامات والهرطقات في الكنيسة المقدّسة ليس الا في كوننا مقصّرين بشكل كبير في المحبّة تجاه الله وتجاه واحدنا الآخر”.

2: ب: 4- دور القدّيس يوحنّا فم الذهب:

يُقال بان المساهمة الاصيلة للقديس يوحنّا فم الذهب انبثقت بعد أن أدخل الحياة الرهبانيّة كجزء من حياة الجماعة المسيحيّة. إذ بعد مسيرة روحيّة طويلة فإن قناعته كانت: “إن القاعدة الاساسيّة للمسيحيّة تتأسّس على خدمة الآخرين”. فالتجربة العظمى للراهب ليست عندما يقصّر تجاه احدى الفضائل المسيحيّة، وإنما تكمن وبشكل اكثر أهمّيّة في استمراره بالسير في طريق الكمال الخاص به دون الاهتمام بخلاص الأخوة.

يفسّر مترجموا حياة القديس يوحنّا فم الذهب دخوله في الحالة الكنسية كترك، إن لم يكن كإدانة لحياة العزلة. إذ ليس هناك من شيء يمكنه أن يبرر هذا التحليل للحوادث ما عدا المعارضة التقليدية بين الحياة التأمّليّة والحياة العمليّة، مع ذلك انه لتعارض دون معنى في العالم الروحي لفم الذهب. ويبدوا ان الجماعات الزهديّة في انطاكية حيث قضى يوحنّا فترة شبابه معها لم تكن لتستبعد المهام الرسولية مع ان افراد هذه الجماعات كانوا يمارسون في الوقت عينه انفصالاً بطولياً عن الخيرات الزمنيّة، وعلى نفس المنهاج فيوحنّا بعد ان أصبح كاهناً ومن ثم اسقفاً فلقد بقي راهباً واستمر على نهج حياة زهديّة داخل جدران قصره الاسقفي، وكان يشدّد القول لأولئك الباقين في حياة العزلة بان الاهتمام بالآخرين ليس موافقاً مع الحياة الرهبانيّة وحسب بل وانما هو اساسي لها، إذ يقول: “يمكنك ان تبقى صائماً وأن تتمدد على الارض الخشنة وتزداد بالرماد وان تبكي دون انقطاع، لكن اذا لم تكن مفيداً للآخرين فانك لا تقوم بممارسات ذات اهمية كبرى”.

ما الذي يشكّل هذا الواجب في ان يكون الرهبان مفيدون للآخرين؟ قبل كل شيء انه يتعلق بأن تكون للصلاة من أجل العالم بأسره مكانا في القلب، فالرهبان “يقدّمون الشكر للعالم بأسره كما لو انهم آباء الانسانيّة كلّها” ويقوّون اولئك الذين هم رؤساء للكنيسة بصلواتهم، وفضلاً عن هذا نجد مثالهم الصالح بممارسة التجرّد فانهم بذلك درس حيّ يذكّر الكلّ بالحقيقة القائلة بأننا غرباء وحجّاج على هذه الأرض.

يوصي يوحنّا فم الذهب بإقامة الرياضات الروحيّة التي تدوم من اثنين إلى ثلاثة أيّام بالقرب من “قلالي القدّيسين”، إذ كان هو بذاته في أيّام شبابه يقوم مراراً بحجٍّ صوب المتوحّدين. إذ يتوجب الذهاب بين الحين والآخر إلى الصحراء من أجل: “رؤية الدمار الذي يحيق بطغيان الشيطان، وكذلك رؤية ملكوت المسيح في أوجّ بهائِه. إن تاريخ الخلاص مليءٌ بالرموز وانه لمن المُهم حتى يومنا هذا ان تعلن الحقيقة بالرموز. والرهبان هم تلك “الرموز” فَهُم: “كالاضواء التي تنير الارض بكلِّ ما فيها”.

لكن إذا كان فم الذهب بذاته يدعو وبمصطلحات شعريّة مؤمنيه وبشكل متواتر للذهاب صوب الرهبان، فالأخيرون تبعاً لهكذا ظروف عليهم ان يوفّروا ضيافة لائقة لأولئك الذين يزورونهم، وفي الحقيقة فان هكذا نوع من ضيافة قد اصبح واحداً من العناصر الاساسيّة للتقليد الرهباني. لذا يمكننا ان نلاحظ كيف ان هذه الممارسة قد تطوّرت بسرعة في خدمة الاعمال الخيريّة. علاوة على ذلك، فلقد كانت استعمالاً سائداً في أنطاكية إذ أن الاماكن المنعزلة هناك كانت قريبة جدّاً من المدن وكان من المعتاد التماس الرهبان من اجل اظهار بعض من اعمال الخير. لذلك لا يعتبر فم الذهب مخترعا لهذا النوع من الخدمة وعمل الخير لدى الرهبان حتى لو انه لم يكن ليتوقف ابداً عن الإلحاح على الشكل الجوهري لهذا الدور في الحياة الرهبانيّة. ويقل اهتمامه في ان يخصص الزاهد نفسه لخدمة المرضى أو السجناء أو ان يتقلّد ببساطة دور المربي، الشيء الذي كان يأمله هو وجود الرهبان في اجواء مسيحيّة للكشف عن عظمة الكمال المسيحي للجميع.

لكن مع فم الذهب تبدأ، أو من الافضل أن نقول يعاد تأكيد الممارسة القائلة بتوكيل احدى المهام الكنسية لأحد الرهبان، كأن يكون اسقفاً أو أي تفصيلات أخرى لها علاقة على سبيل المثال بمَهَمَّةٍ معينة.

2: ب: 5- الدور الحيوي للتطور والنمو الشخصي:

ان السبب من وراء الدخول إلى الحياة الرهبانيّة هو انه يتم قبول دعوة الله، الآن هذه الدعوة لا يمكن أن تبقى ثابتة في قوالب غير قابلة للتغيير، فان صوت الله يتوجه بشكل مختلف إلى المبتدئين أو الكاملين. ومن المحتمل أن يحدث أن مَهَمّة رسولية تقع على عاتقهم، كما حدث للرسل، في أن يكونوا مدعووين للكرازة بالإنجيل في إحدى بقاع الأرض.

لكن بحسب التقليد الشرقي الطويل فإن “مَهَمَّة رسوليّة” تقترح “حياة رسولية” أي بما معناه قداسة مماثلة لقداسة الرسل. لقد كتب أمّونيوس5 تلميذ القديس انطونيوس في احدى رسائله قائلاً: {ان الله سيرسل معتزليه بين الناس فقط عندما يكونوا قد اقتنوا جميع الفضائل… إذ انه لا يستطيع ارسال انفساً لبنيان البشر في الوقت الذي يكون لتلك الانفس بعض النواقص. وهكذا فان اولئك الذين ينطلقون دون أن يكونوا قد وصلوا إلى الكمال فهم حاضرون بحسب ارادتهم وليس بحسب مشيئة الله، والرب سيوبّخهم قائلاً: “أنا لم أرسلهم قط، وهم شرعوا بالركض [قا: إرميا 23: 1]”}. فأمّونيوس هنا يتحدّث عن المتوحدين ، أمّا باسيليوس يفكّر بنفس التفكير لكن بخصوص الديرانيين.

بإختصار، ان هناك شرطان محدّدان للإعلان عن حالة المرسل كـ:”رسول” تجاه الآخرين، الشرط الأول وهو سلبي: عدم المخاطرة بتحمّل أيّة معاناة ذات ضرر روحي، والاخر هو إيجابي: أن يمتلك هبة الكلام. وهذا ما يتطلب أصلاً من أي أبٍ روحي. وبدون هذه الهبة لا يمكنه ان يقول اية كلمة نصح، لذا فإن حسن الكلام يجب أن يعطي هوية ذلك الذي يعلّم. يلمّح مترجم سيرة حياة سيميوني اللاهوتي الجديد بأن هذان الشرطان يتوفران لدى القديس: “إن فكره كان أشبه بفكر الرسل، لأن الروح القدس كان يقود تحركاته، وكان له أيضاً هبة الكلمة، إذ كانت تفترش على شفتيه كما كان الحال مع الرسل، كان جاهلاً مثلهم، وكان يتكلّم عن الله ويعلّم المؤمنين بكتب ملهمة”.

تأليف: توماس شبِدْلِكْ / ترجمة: الأنبا سامر صوريشو يوحنا الراهب

الهوامش:

  1. القديس يوحنّا كليماكوس (575 – 650): ويعرف أيضاً بلقب القديس يوحنّا سلّم الفردوس أو يوحنّا المعلّم أو يوحنّا السينائي، ولد في سوريا وانتقل ليصبح  أحد رهبان دير جبل سيناء في الـ16 من عمره، تتلمذ على يد الراهب مارتيريوس، عاش متنسكا في احدى مغارات الجبل لمدى 20 عاماً، كرسها لدراسة العقائد المسيحية وحياة القديسين، حيث كتب العديد من الكتب العقائدية أيضاً، أشهرها كتاب سلّم الفردوس، تكرمه الكنيستان الكاثوليكية (30 آذار)، والأرثوذكسية (الأحد الرابع من زمن الصوم).
  2. نسطوريوس: (386 – 451) أسقف القسطنطينة من 428 إلى 431. ولد نسطور في مدينة مرعش ضمن ولاية سوريا الرومانية، وتلقى علومه اللاهوتية على يد ثيودوروس المصيصي في أنطاكية. وفي عام 428 م عينه الامبراطور ثيودوسيوس الثاني بطريركا للقسطنطينية خلفا لسيسنيوس الاول. تم عزله في مجمع افسس بعد اتهامه بالهرطقة، وفي عام 435 تم نفيه إلى مونستاري بالقرب من الخارجة في مصر. وخلال الرحلة تعرض موكب نسطوريوس إلى هجوم من قبل العصابات مما أدى إلى جرحه. أحرقت كتابات نسطوريوس بأمر من ثيودوسيوس الثاني، وبقيت شذرات منها حفظت باللغة السريانية. حاول نسطوريوس التوفيق بين تصورين لاهوتيين مختلفين حول المسيح، كان الاول يؤكد على أن المسيح الله قد ولد كانسان من العذراء، مما يعني أن العذراء هي أم الله، بينما أصر الفريق الثاني على أن الله كجوهر خالد لا يمكن أن يولد من أحد. لذلك اقترح نسطوريوس تسوية بين الفريقين بأن دعى مريم العذراء أم المسيح عوضا عن أم الله. غير أن هذا الحل لم يحظ بقبول أيا من الفريقين. هاجم البابا قيرلس الأول (بطريرك الإسكندرية) آراء نسطوريوس معتبرا اياها متعارضة مع التجسد الالهي في المسيح، مما دعى الامبراطور ثيودوسيوس الأول إلى عقد مجمع أفسس الأول 431 لمناقشة القضية. كان الامبراطور داعما لنسطوريوس غير أن قيرلس نجح في كسب بابا روما كلوستين الأول إلى جانبه، وبالتالي نجحوا في إدانة نسطوريوس بالهرطقة وعزله عن كرسي القسطنطينة. خلال انعقاد المجمع وصل يوحنا الاول بطريرك أنطاكية ومعه أساقفة الشرق، ولما وجدوا أن البابا قيرلس الاول ومن معه نجحوا في إدانة نسطوريوس عقدوا مجمعهم وأدانوا فيه قيرلس، ورفع كلا الجانبين دعواهما إلى الامبراطور الذي عزل كلا من نسطوريوس وقيرلس ونفاهما، خلال الاشهر التالية عزل 17 أسقفا من الذين أيدوا نسطوريوس كما أجبر يوحنا الاول على انكار النسطورية في آذار 433. وتم التأكيد على هرطوقية آراء نسطوريوس مرة أخرى في مجمع خلقدونية 451. ورغم الحرمان إلا أن آراء نسطوريوس استمرت وحظيت بالعديد من الاتباع الذين يتحدثون بالسريانية بشكل اساسي، وقد استمرت الكنيسة بقوة في شرق نهر الفرات في حماية الامبراطورية الساسانية كما انتشرت باتجاه الشرق حيث وصلت إلى المغول واعتنقتها قبائل النايمان المغولية. للمزيد من المعلومات التاريخية الدقيقة يرجى مراجعة كتاب الأب منصور المخلّصي، مدرسة أنطاكيا، بغداد 2007، وكذلك كتاب تاريخ الكنيسة 1999، وكتاب الأب البير أبونا عن تاريح كنيسة المشرق الجزء الأول بغداد 1998.
  3. كان اوطيخا (حوالي 380 – 456) مُدافعاً عن عقيدة الطبيعة الواحدة، أي أن للمسيح طبيعة واحدة بعد التجسّد، بحيث يؤدي ذلك إلى تلاشي الإنسانية في الألوهية وإلى إفراغ حدث التجسّد من معناه والتي تعنى أن الناسوت قد ذاب في اللاهوت. أي أن الطبيعتين قد امتزجتا معاً في طبيعة واحدة (المونوفيزيّة). لقد آمن اوطيخا بوجود طبيعتين للمسيح قبل التجسد، غير انه لم يعترف سوى بطبيعة واحدة بعد التجسد معتقدا بأن اللاهوت قد امتص الناسوت الذي ذاب في اللاهوت كما تذوب نقطة عسل عندما تسقط في محيط من الماء. أدانه مجمع خلقيدونية سـنة 451. وفي سنة 475 قام البابا تيموثاوس الثاني (الشهير بأوريلُّوس) بعقد مجمع عام آخر في أفسس (يلقبه البعض مجمع أفسس الثالث) وفي هذا المجمع حرّمت تعاليم أوطيخا وتعاليم نسطوريوس ورفض مجمع خلقيدونية.
  4. مجمع خلقيدونية: انعقد سنة 451، ويُعتبر من أهمّ المجامع، إذ نجم عن هذا المجمع انشقاقٌ أدّى إلى ابتعاد الكنائس الشرقيّة: (القبطيّة والأرمنيّة والسريانيّة) عن الشركة مع الكنيستين الرومانيّة والبيزنطيّة. رفضت الكنائس الشرقيّة اصطلاح “طبيعتين” الذي كان يوازي عندهم لفظة (شخصين). وكانوا يفضلون عليها تعابير أخرى وردت عند البابا كيرلّس مثل عبارة “طبيعة واحدة” في قولته الشهيرة: “طبيعة واحدة للإله الكلمة المتجسد”، الخلقيدونيين يقولون إنه إن كان مجمع خلقيدونية قد سبب إنشقاقًا في الكنيسة، فإنهم يرون أن ما حدث كان ردة فعل لمجمع أفسس الثاني 449، الذي دعاه لاون أسقف روما بمجمع اللصوص، إذ لم يقبل بنتائجه ومنح الحل الكنسى لثيئودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة. وحدث أن الإمبراطور ثيئودوسيوس قد سقط من على ظهر جواده، مما أدى إلى وفاته في 28 يوليو عام 450 وتولت أخته بولكاريا السلطة وتزوجت من القائد مركيان، وأعلنت مركيان إمبراطوراً في 28 أغسطس من نفس العام. وفى 15 مايو عام 451 صدر المرسوم الإمبراطوري بعقد مجمع عام في نيقية. وبحلول أول سبتمبر وصل الأساقفة إلى نيقية ولكنهم أمروا أن يتجهوا إلى خلقيدونية القريبة من القسطنطينية. فاجتمع حوالي 500 أسقف في كنيسة القديسة أوفيمية، وعقدت الجلسة الأولى للمجمع في 8 أكتوبر عام 451. في تلك الجلسة نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذي برأه مجمع أفسس الثانى 449م، فقال “إذا كان أوطيخا يتمسك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتى النار (أي جهنم) أيضاً. ولكن اهتمامي إنما هو بالإيمان الجامع الرسولي وليس بأي إنسان أياً كان”. وقال أيضاً في نفس الجلسة من المجمع الخلقيدونى: “أنا أقبل عبارة من طبيعتين بعد الاتحاد، وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفي قبوله لعبارة “من طبيعتين بعد الاتحاد” أراد أن يؤكّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو إختلاطهما. ومن الواضح أن القديس ديسقوروس أعلن حرماً ضد الهرطقة الأوطاخية في وقائع مجمع خلقيدونية، وإن كان قد سُمح له بإكمال خدمته الرسولية كمدافع عن الإيمان وإن كان قد تم الأخذ بصيغه الإيمانية وضمنت، لما حدث إنقسام في الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية، وكان هذا سوف يعد دفاعاً تضامنياً عظيماً ضد الهرطقة الأوطاخية يقف إلى جانب المجمع المسكوني الثالث في أفسس 431م. كان يمكن للمجمع أن يوفق بين بابا روما وبابا الأسكندرية بواسطة حل مشكلة ثيئودوريت أسقف قورش وتعليمه ضد القديس كيرلس الأسكندري. لكن المحزن هو أن البابا ديسقوروس قد تم عزله ونفيه.
  5. القديس أمّونيوس كان ناسكاً مسيحيًا من القرن الرابع في صحراء نيتريا ومؤسسًا لواحدة من أكثر الجماعات الرهبانيّة المشهورة في مصر. ذكره القديس أثناسيوس في حياة القديس أنطونيوس. بعد أن أجبراه والديه للزواج وهو في سن العشرين، تمكن من إقناع عروسه بأداء نذر العفة معه، وقد عاشا معًا بهذه الطريقة لمدة 18 عامًا وبعدها افترقا بناءً على رغبتهما، وعاش 22 عامًا في صحراء نيتريا. توفي عن عمر يناهز الـ62 عامًا، أي قبل وفاة القديس أنطونيوس حوالي عام ٣٦٥، حيث ذكره القديس انطونيوس قائلاً: “رأيت روح أمّونيوس تحملها الملائكة إلى السماء”.

(الجزء الرابع)

2: أ: 8- الدور الثقافي للأديرة:

فيما يخص موقف الرهبان تجاه الثقافة، علينا الاخذ بنظر الاعتبار جملة من الحقائق غير المتجانسة فيما بينها. ففيما يتعلق بدور “المُثَقِّف” للرهبان أوالراهبات نجد هنالك نتاجات قد كرّست اما لعصور محددة واما اعمال شديدة الاقتباض. وهكذا، ففي هذا السياق يتوجب علينا فقط التركيز الاشارة الى مفهوم وقيمة هذا الدور، ملمّحين الى بعض المعطيات التي جعلته ممكناً.

فالحياة الرهبانيّة البدائيّة كانت قد ولدت في سياق اجتماعي متواضع، وكانت تمثّل نقلة وثورة ضد ثقافة زمانها، حيث كانت تزعم بتقديم قيمٍ كافية لحياة الانسان، لذلك يمكننا فهم الموقف السلبي الاساسي للمسيحيين ضد “حكمة العالم”. ففي كثير من الأحيان كان يتهم الرهبان باسهامهم في اضمحلال الثقافة اليونانيّة، متناسين أن هذه الثقافة كانت أصلاً في طور الاندثار إبّان نشوء الحياة الرهبانيّة. فضلاً عن ذلك، فإن العديد من الرهبان المنتمين الى الاجواء المصريّة والسريانيّة والأرمنيّة… الخ، قاموا بشتى ما استطاعوا كي يحيلو من ثقافاتهم المحليّة الخاصّة أكثر شعبيّةً وحضاريّةً فاقتحموا بذلك مسرح العالم المتحضّر ليجعلوها هكذا مشهورة. لكن هنالك عامل آخر من المستحيل اغفاله وهو ان على مرّ العصور كانت الاديرة نفسها من المراكز الاساسيّة للحياة الثقافيّة للشعوب المسيحيّة.

رغماً عن هذا وذاك، فإن هذا الدور التثقيفي لم يكن أبداً غاية بحد ذاته، وانما كان اشعاع لاحق للقوى الروحيّة التي تقدّس العالم. فقاعدة “العزوف المُثمِر” قد أحيت جميع المرافق، فلقد سمحت بالحداثة والابداع في الحقل الثقافي دون أن يكون مراداً به. إنّ هداية القديس مبارك تمثل حقيقة رمزيّة في هذا الخصوص، هكذا كما يصفها القديس غريغوريوس الكبير: “بعد أن هرب القديس مبارك من المدرسة، أصبح هو نفسه أصلاً لولادة التعليم، وهكذا فالمبدا الأساسي للتعليم قد تغيّر وكذلك الهدف النهائي منه والموسائل المؤدية اليه”.

إن مصطلح “العزوف المُثمِر” هو مُهِمٌّ للغاية لأنه يساعدنا في تحديد المواقف المتعددة للرهبان تجاه الثقافة في إطار الزهد المسيحي الذي يحرّكه المبدا الأساسي القائل بـ: “يتوجب إيجاد قيمة كلّ الحقيقة المخلوقة من خلال عزوف أوّلي”، ففيما يخص موضوعنا نجد العديد من النصوص حيث ان هذا العزوف الأوّلي يوضع على درجات مختلفة: 1- القبول بالضرورة على العزوف عن الحكمة “الخارجيّة”، أيّ الثقافة غير المسيحيّة، 2- القدرة على ان نكون مفتخرين بـ:”الجهالة” فيما يخص أيّ شكل من أشكال الثقافة الانسانيّة، 3- الوصول إلى درجة العزوف عن الثقافة اللاهوتيّة المسيحيّة.

2: أ: 9- العزوف عن الحكمة “الخارجيّة”:

إنّ التمييز بين “العلم البسيط” و”العلم الروحي” الذي يقدّر بكثير لأنه “مواهبي”، يؤسس أحد الدوافع المسيطرة على العقليّة الرهبانيّة الشرقيّة. هنا علينا أن نتذكر أمراء الرسل القديسين بطرس ويوحنّا اللذان هما مصنّفان في الكتاب المقدس كأمّيين وجهلة (أعمال الرسل 4: 13).

مع ذلك، فلقد كان هنالك بين الرهبان منافسة حقيقية للتسمّي بالجَهَلَة، فعلى سبيل المثال نرى قيرلّس الشيتوبولي1 الذي رغماً انه كان الكاتب الافضل لسير القديسين بين البيزنطينيين الا انه كان يطالب بلقب الجاهل. كذلك ليونسيو من نيابولس2 كان يعمل مثله غير آبه ان يستهين بدرجته الاسقفيّة. أمّا ماكسموس المعترف3 فإنه يقرّ دون توجيه، الشيء الذي ليس صحيحاً، انه قام بدراسة كل العلوم المتوفرة في حينه فنراه يبرر موقفه كالآتي: “عندما يكون الذكاء نقيّاً، ففي بعض الأحيان يكون الله نفسه منشراً به ويقوده، وفي الحين الآخر تكون القوى المقدسة (الملائكة) هناك لتملي عليه الأمور الجميلة والجيّدة، وفي الحين الاخر يكون للتأمّل الطبيعي وحسب”. الآن، “فالفلسفة العمليّة، أي الحياة الزهدية، فهي التي تقوم بتنقية الذكاء في ضوء التأمّل الطبيعي”، لذلك فالـ: “العلم البسيط” لا ينفع شيئاً.

إن لهذه الاعتبارات من دوافع روحيّة، لكن ذات التعابير لدى أشخاص ربّما أقلّ روحانيّة، فإنّها قادت الى مواقف متطرّفة ممكن ان نجدها بين بعض الرهبان الاثوسيين، والتي بحسب تأكيداتهم الفئويّة: “إن العلم هو اختراع شيطانيّ”، وإنّه لمن الواضح انه موقف يتعلّق ببعض الآباء الذين كانوا ينظرون الى الامور بحرفيّتها بشكل مبالغ جدّاً.

2: أ: 10- موقف الرهبان من الدراسات اللاهوتيّة:

من الممكن دراسة الالهام المسيحي على منهج “العلم البسيط” الذي بالرغم من كلّ شيء لا يقترح مسبقاً ولا يضمن أي نوع من التقدّم الروحي. بل بالعكس، هنالك تكمن المخاطرة الكبرى ألا وهي الفناء الذي يطوّره العلم وكذلك الايهام الذي يولّده، والذي بدوره يقود الى السقوط في حضيض روحي متدنّي جدّاً. وهكذا فالراهب ليس كاهناً بالضرورة، لذلك ليس لديه أية مسؤلية للتعليم، فهو يعزف عن “العلم البسيط” ليتمكّن من تحقيق “العلم الحقيقي” فبالنسبة اليه فاللاهوت يتطابق مع الصلاة، بحسب الجملة الشهيرة لإيفاغريوس القائلة بـ: “إذا كنت لاهوتيّاً عندها ستصلّي صلاة حقيقةً، وإذا كنت تصلّي صلاة حقيقةً، فأنت لاهوتي”.

مع هذا، لا يمكن نكران أن هناك بين الرهبان لاهوتيون عباقرة وأساتذة عظام ومعلّمو إيمان اولئك الذين كانوا يعتبرون انفسهم مكرسين للتعليم كدعوة، كما سنرى لاحقاً لدى الرهبان الأرمن، فجماعة الفاردبي4 أي الراهب المتحلّي بالقدرة على الكرازة والتعليم، تلك القدرة التي لا يملكها أي كاهن عادي، وكذلك التطبيق الفعلي لهذا المفهوم السامي على الثقافة. وكذلك الحال لدى الروس من القرن التاسع عشر اذ كان مقضيّاً ان كان هناك طبقة خاصة من الرهبان كانوا يُدعونَ بـ: “الرهبان المُثقّفين”، هولاء كانوا يدرّسون في الكلّيات والاكاديميات متمتعين بامتيازات خاصّة. وفضلاً عن ذلك، فان الاساقفة والاشراف الكنسيين كانوا في العادة ينصفّون في صفوفهم. اذ في مجمع موسكو (1917 – 1918)5 انتفض ضد الاساءات الناتجة عن حرّيّتهم، لكنه وافق على امتيازاتهم هذه مشرّعين بأن على هولاء الرهبان أن ينتموا الى نوع من “أخوّة” ذات طابع كنسي-ثقافي.

لكن بالنسبة للأغلبية العامّة للرهبان فإنه كان كافياً لهم قانون الايمان المُتعلم من الرؤساء الكبار وكذلك الصلوات الاساسية المحفوظة عن ظهر قلب وكذلك الصلوات الطقسيّة… كل هذا كان كافياً لتغذية حياة الصلاة لديهم. فلقد كان يبحث في الكتاب المقدس وفي القراءات الروحيّة عن كل ما يبني وليس عن العلم بحد ذاته.

2: أ: 11- التطوّر الفكري لدى القديس باسيليوس:

بالنسبة للقديس باسيليوس فمشكلة الثقافة تطرح بشكل شخصي بحت. فالقديس باسيليوس اصبح راهباً بعد أن أتمّ سلسلة من الدراسات الجامعيّة المتوفرة آنذاك في عهده. أمّا موقفه من الثقافة فنراه يتغيّر في مجرى حياته، وههنا نلخّص مراحل هذا التطوّر:

  1. مرحلة العزوف الرهباني الجذري:

يشرح القديس باسيليوس موقفه كمهتديٍ جديد في سالته المرقّمة 223 بهذ   ه الكلمات: “فيما يتعلق بي، فاني قد صرفت ردحاً طويلاً من الزمان هباء، فلقد خسرت حوالي كل شبابي في العمل الذي كنت اكرّس نفسي له لكي أقتني تعاليم حكمة معلنة من الله جهالةً. في النهاية، في أحد الأيام استيقظت كما لو من نوم عميق فيمّمت وجهي صوب النور البهي للحقيقة الانجيلية”. ان نتيجة هذا الاهتداء هو التمييز الذي يقوم به مراراً بين “الحقيقة التي لنا” و”الفلسفة الفانية” أي تعليم “أولئك الذين هم في الخارج”.

  • مرحلة استخدام العلوم الدنيويّة لأسباب الدفاع عن العقائد الدينية:

وما أن أصبح باسيليوس اسقفاً، إلا وبدأ الشعور بالخطر الذي يواجه الايمان، وان عليه واجب المدافعة عنه. ففي الحروب يحمل الجند اسلحة مشابهة لتلك التي لدى أعدائهم، وبما أن اعدائه الرئيسيون كانوا الآريوسيين6 الذين كانوا أساتذة في الجدليّة، لذا كان عليه محاربتهم بنفس السلاح، وهكذا يعود باسيليوس الى ما كان قد تعلّمه في المدارس الدنيويّة، ليس لفائدته الخاصّة وانما من أجل خدمة الكنيسة، كما ان على الطبيب معرفة الأمراض مسبقاً لكي يكون قادراً على شفاء الآخرين.

  • مرحلة انشاء المدارس المسيحية:

إنّ النظام الدراسي في ذلك العصر كان وثنيّاً، فكان واجباً التقدّم بإصلاحات معيّنة. ففي الوهلة الأولى يعتقد باسيليوس بأنّ من الممكن تعلّم البلاغة وحسن الصياغة النصّيّة والفنّ الأدبي على نصوص من الكتاب المقدّس. لكن بعد ذلك يجب كتابة كرّاس صغير الذي هو نوع من النتاجات الاولى للـ”إنسانية المسيحيّة”، مثل: “للشبّان: حول قراءة كتب الوثنيين”، هنا يؤكد باسيليوس بأن الفلاسفة القدماء قالوا الكثير من الاشياء الصالحة والتي تتفق مع التعاليم الانجيلية لذلك فإن قراءة هذه الكتب يمكن أن تخدم كتمهيد للانجيل وبالخصوص للشباب.

  • مرحلة التأمّل في اللاهوت النظري:

إنّ كل من يبحث عن طريق لطرح الايمان المسيحي بصورة صحيحة فانه يقفه الى الحاجة الى فنّ المنطق المتعلم في المدارس وهو المعرفة بوضع الامور مع بعضها البعض فيما يخص موضوع ما متحاشين التناقضات…الخ. باختصار، معرفة كيف يمكننا التعبير عن أنفسنا والتواصل مع الآخرين بأفضل اسلوب ممكن. ففي هذا الخصوص، يرى واضحاً كيف أن نصائح باسيليوس قادت الى هكذا نوع من الاساليب الخاصة باللاهوت المدرسي.

  • مرحلة تأمّل الطبيعة:

في كرازاته حول خلق العالم “الهيساميرون”، يرى بجلاء ان علم الكاتب اعمق بكثير. فباسيليوس يستخدم بشكل واسع العلوم الطبيعية المعروفة في وقته، ليس من أجل أغراض الدفاع عن الايمان وانما للفائدة الروحيّة. فكل ما كان قد حصل عليه في المدارس الدنيوية تراه ههنا يعود عليه بمعنى للحياة المسيحيّة. هكذا فالثقافة لا تعد بعد عائقاً أمام الرحمة، بالعكس فانها تتحّول الى جزء متكامل مع المعرفة الروحيّة. هكذا فالعزوف الجذري تحوّل الى “عزوف مثمر” والتعارض ما بين المقدّس والدنيوي قد تمّ تجاوزه.

2: أ: 12- مكتبات الأديرة:

في ارشاد موجّه الى رؤساءالاديرة البيزنطينيين نجد انه يحثّهم على عدم اعطاء أية مسؤليّة لأي راهب كان ما لم يكن قادراً على قراءة المزامير وصلوات الساعات الطقسية، فلقد كان الزاماً على الراهب معرفة القراءة ما لم نقل أكثر من ذلك، لأن القراءة الروحيّة كانت تدريباً أساسياً للحياة الرهبانيّة والذي كان يقترح حدّاً أدنى من الثقافة.

لذا فوجود المكتبات في الأديرة يعد أمراً مألوفاً جدّاً. فالرهبان كانوا يستنسخون المخطوطات، أمّا الكتب فكانوا يستلمونها أمّا كعطايا أو كانوا يشترونها، حتى قاموا في وقت لاحق بطبعها ونشرها بأنفسهم. وهذه العادة كانت جد منتشرة حتى انه في مجمع موسكو المشار اليه سابقاٌ 1917 – 1918 فنرى انه يصف ما بين مهام الأديرة أن تمتلك مطابعها الخاصة لغرض نشر الكتب الدينيّة، وهكذا قرار كان من شانه تأطير تقليد طويل في هذا البلد.

لذا فسيميوني7 اللاهوتي الجديد يقارن الراهب بـ”الكتاب الحيّ” وهو ما يقدّم لنا الفكر الصحيح للآباء، وهذا ما يقوله في عن الراهب في كتابه عن حياة القديس قيرلّوس الفيلوتا: “الراهب هو كتابٌ حيّ، إذا كان حقّاً راهب، وإلا فإنّه قبر مفتوح”.

2: أ: 13- مدارس الأديرة:

لقد بدأ في الغرب بشكلٍ مبكّر جدّاً توكيل مَهَمَّة تعليم الشباب إلى الأديرة، لذلك سنندهش جدّاً عندما نسمع القانونيين الشرقيين في حديثهم عن هذه العادة. هكذا فعلى سبيل المثال نيسيفورو8 من القسطنطينيّة كان يسمح للراهب بترك الدير اذا: “كان هناك من شبّان يتعلمون المهن الدنيويّة بين الرهبان”، فالسبب وراء هذا الرأي لهذا القانوني هو غريب جدّاً: “إن الشباب يمكنهم أن يتحدّثوا عن كل شيء حسن يقام به في الدير”، وهناك البعض الاخر أكثر صراحة إذ يشيرون الى أن الخطر الحقيقي ينطوي على ما يخصّ البتوليّة، وفي هذا المفهوم الحصري كان يأمر بالا يقبل في الأديرة “الشبّان الصغار غير المُلتحين بعد”.

مع هذا، فرغماً عن قساوة القوانين، فليس نادراً إيجاد حقائق تاريخية تضادد هذا الموقف العام. فمسبقاً في كتابات باخوميوس، نجد هنالك اشارات تدل على وجود شبّان في الأديرة. ويمكننا أن نذكر شهادة يوحنّا فم الذهب عن “دور الأديرة في التعليم”. وتعرف هنالك العديد من المدارس الديرية في البيزنطية وفي روسيا وفي معظم الشرق، كان هدفها الأساس الإرشاد الديني. إذ كانوا يدرّسون الكتب المقدّسة وآباء الكنيسة والطقوس والفنّ المقدّس. وكان يقتصر على عدد يسير من هولاء الطلبة مِمّن يصلون الى مرحلة من ايمان راسخ أن يسمح لهم بالعبور الى دراسة العلوم الدنيوية وبصورة خاصّة الدراسات الفلسفيّة. مع هذا، فإن المدارس الديريّة في العالم البيزنطيني كانت قد تحوّلت الى مراكز ثقافيّة، وهكذا فعندما كان الامبراطور قسطنطينوس مونوماكو9 يريد أن يؤسس جامعة فنراه اختار كرسي لها دير القديس مامنتي10، ومن جانب آخر فيعرف بان في مدارس الستوديتي، انها كانت تثقِّف العديد من أفراد العائلة الامبراطوريّة.

كان هنالك مدرسة مشهورة أيضاً على جبل آثوس للجورجانيين التابعين لدير إيفيريون11، ففي القرنين 11 و 12 كانت هذه المدرسة محميّة من الحكّام الجورجانيين والاباطرة البيزنطينيين حيث كان يدرس هناك الفلسفة واللاهوت. أمّا في بلغاريا ففي دير باشكوفو12 كان الشبّان يتثقّفون على يد أحد “الشيوخ” ومن ثمّ كان يوكل بهم الى “أخوّة” حتى اللحظة التي يصلون فيها الى العمر المؤهل للرسامة الكهنوتيّة.

إن تاريخ المدارس الروسية يظهر بانها كانت تقع داخل أسوار الدير، وحتى القرن السادس عشر نجدهم يتبعون مثال المؤسسات الكاثوليكية في بولندا حيث انشأت مدارس ابتدائية وثانوية ذات الطابع الغربي خارج حصن الدير. ويعتبر هذا التطبيق مزكّىً جدّاً من المجمع السنهاديقي المقدّس، لكن مجمع موسكو 1917 – 1918 يناشد مجدداً على ان بعض التعليمات (حول الحرف مثل الزراعة والرسم المقدّس … الخ) فإنه يفضّل أن تعطى في إطار الحياة الديرية، أي داخل الحصن الديري.

تأليف: توماس شبِدْلِكْ / ترجمة: الأنبا سامر صوريشو يوحنا الراهب

الهوامش:

  1. وُلِد في مقاطعة فلسطين الثانية، حوالي عام 525. أشرف والده يوحنا، وهو محامٍ، على تعليمه الديني المبكر، وأصبح راهبًا في عام 543. بعدها ذهب إلى أورشليم وقضى بضعة أشهر في حياة النسك بالقرب من نهر الأردن، قبل دخول دير أوثيميوس الكبير في أريحا في سنة 544 وبقي هناك حتى عام 555. بعد ذلك بعامين انتقل إلى جماعة رهبانيّة للقديس ساباس، حيث توفي ما بين عام 557-558. تأثر قيرلّس بالقديس ساباس والذي التقى به عندما كان لا يزال في سن مبكرة، والتقى أيضًا بالقديس يوحنا الصامت أسقف كولونيا في كابادوكيا.
  2. أسقف نيابوليس أو ليماسول الحالية في قبرص، عاش في القرن السابع الميلادي، وله العديد من الكتابات التي تعد من بين الاعمال القليلة باللغة اليونانية الدارجة للفترة البيزنطينية المبكّرة والوسطى، مثل حياة القديس يوحنّا الرحيم، وحياة القديس سيميون القديس المجنون، ويعتقد بانه كان حاضراً في مجمع اللاتران في روما بعام 649.
  3. ولد سنة 580 في القسطنطينية، وتوفي بتاريخ 13/8/662 والذي يعد اليوم الذي تحتفل بذكراه كل من الكنيستين الكاثوليكية والارثوذكسية على حدس سواء. سمّي بالمعترف لأنه رفض تعاليم عقيدة الارادة الواحدة وعلى اثر ذلك قطعت يده اليمنى وكذلك لسانه الذي به اعترف بالايمان المستقيم.
  4. وهي جملة اكاديميات توزعت في ارمينيا حوالي نهاية القرن السابع وكانت تهتم بالتعليم وتهيئة المعلمين والكارزين والمبشرين………
  5. مجمع سوبور أو ما يعرف بمجمع روسيا كلها، أي مجامعها المحليّة، بدأ المجمع بتاريخ 15/8/ 1917 في فترة التحرر تحت الحكومة الانتقالية واستمر حتى 20/9/1918 بعد ان كانت الكنيسة تحت وطأة حكومة بولسهيفك المحجّمة للكنيسة. ويعد هذا المجمع الأول للكنيسة الروسية بعد مجمع 1681- 1682، اذ بعد استبداد الملك بطرس الأول وتدخله بشؤون الكنيسة الى اقصى الحدود، لم يجدوا منفذا لهذه الوطاة حتى بدأ الثورة ووصول نيقولاوس الثاني الذي اصدر بيانا بالحرية الدينية في 17/4/1905.
  6. الآريوسيون: هم من تبع تعليم آريوس (250 – 336) الذي كان كاهنا، لكن لتعاليمه المخالفة للكنيسة إذ كان يقول بأنّ الكلمة ليس بإله، بل بما أنه “مولود” من الله الآب فهو لا يُشاركه طبيعتهِ، بل تقوم بينهما علاقة “تبنّي، فلقد تمّ إدانته في أول المجامع الكنسية (مجمع نيقية 325) وبعد موته حرّم واعتبر هرطوقياً.
  7. قديس من الكنيسة الارثوذكسيّة (949 – 1022) التي اعطيت له لقب لاهوتي. ولد في غلاطية وتعلّم في القسطنطينيّة واصبح بعدها رئيساً على دير القديس ماماس. كان سيميون شاعراً جسّد التقليد الصوفي بكتاباته التي بها قال ان الانسان قادر على عيش الخبرة المباشرة لله.
  8. نيسيفورو الأول، من بيزنطية، أصبح امبراطوراً سنة 802 بعد ان أطاح بالامبراطورة ايريني عندما كان حينها وكيلاً للمالية، واستمر في حكمه حتى موته في 16/7/811.
  9. قسطنطين التاسع مونوماكو، ولد حوالي سنة 1000 وتوفي بتاريخ 11/1/1055، أصبح امبراطوراً بتاريخ 11/6/1042 حتى تاريخ وفاته.
  10. وهو دير في القسطنطينية شيّد على اسم القديس الشهيد مامانتي (ماماس باليونانية، من مواليد القيصرية في حوالي القرن الثالث الميلادي)، وهذا القديس مشهور في جميع التقاليد وسيرة حياته شبه اسطورية اذ انه استشهد صغير السن وكذلك ابواه، في معظم بلدان اوروبا نجد عدة كنائس على اسمه.
  11. تأسس الدير سنة 979 وترتبط أحداث تأسيس الدير ارتباطًا وثيقًا بالفترة العاصفة التي مرت بها الإمبراطورية البيزنطية عند وفاة جيوفاني الأول زيميسكي. كان الراهب الحاضر في لافرا هو القديس أثناسيوس والذي كان قبل دخوله إلى الحياة الرهبانية جنرالًا جورجيًا، ظلت إيفورونا مركزًا رهبانيًا جورجيًا مهمًا حتى القرن السادس عشر الذي تبعه الرهبان اليونانيون، ويحتوي الدير اليوم على مكتبة تحوي جميع الأعمال التي تعود إلى العصر الجورجي.
  12. تأسس الدير عام 1083 على يد الأمير غريغوري باكوريانوس، رجل دولة وقائد عسكري بارز في الخدمة البيزنطية، كدير أرثوذكسي يهيمن عليه الجورجيون. أقام (مدرسة) للشباب في الدير. شمل المنهج الدين وكذلك الرياضيات والتاريخ والموسيقى. في القرن الثالث عشر فقد الرهبان الجورجيون والخلسيدونيون الأرمن من دير بيتريتسيوني (باتشكوفو) سيطرتهم على الدير، ولكن تم الحفاظ على تقاليدهم حتى بداية القرن الرابع عشر. لا يزال الإنجيل الأرمني من القرن العاشر الذي جاء من هذا الدير موجودًا حتى اليوم.

(الجزء الثالث)

ثانياً: مَهام الرهبان

2: أ- العمل:

2: أ: 1- النقاش حول سمو “حياة التأمّل الباطني” في القدم:

في القديم كان هنالك تمييز بين ثلاثة أنواع من الناس وذلك بحسب نمط حياتهم ونمط عملهم (الاصناف الثلاثة التي كانت تحضر الاجتماعات الكبرى في اليونان القديمة): الرياضيون والتجّار والفلاسفة، وبين هؤلاء الثلاثة هنالك منزلة رفيعة محفوظة للفلاسفة لاهتمامهم بأمر أسمى ألا وهو: “التأمّل في الطبيعة”. واعتبر هذا الحكم تقليداً في المحافل الفلسفية. فأفلاطون لمعرفته الجيّدة بسمو الحياة التأمّليّة لذا نراه متسائلاً دوماً: “لماذا يقوم الفلاسفة بحكم الشعب ويتحولون من حياة التأمّل إلى الحياة العمليّة؟”. ونراه أيضاً يتكلم عن أهمّيّة نمط آخر من الحياة يسمّيه “الحياة المختلطة”، لأن الحياة بدون “الخلط” أي ان تكون حياة حكمة لوحدها أو حياة ملذّات لوحدها، فهذا ليس بخير يفيد الانسان.

حتى ارسطوطاليس لديه افكاره الخاصة لأنماط الحياة، ففي كتابه “الأخلاق” يعرض لنا التصنيف الافضل الذي عُرف في العصور الوسطى والذي بحسبه يميز: 1) حياة الاستمتاع، غير اللائقة بالانسان 2) الحياة السياسية أو “العمليّة”، 3) الحياة التأمّليّة. ولهذه الأخيرة علينا الاهتمام بشدة دون الأخريات. فضلاً عن هذا كله لايمكن ان يخصّص المرء ذاته إلى هكذا نمط حياة ان لم يكن فاضلاً وذكيّاً.

أمّا موقف الرواقيّين فيلخّصه ديوجينس اللاريتسي1 هكذا: “إن أنماط الحياة في العدد هي ثلاثة: نظريّة، وعمليّة، وعقليّة، ويقال بأن ثالثتهم هي المفضّلة، وفي الحقيقة فإن الكائن العاقل هو مخلوق طبيعيّاً من أجل التامّل والعمل”

أمّا لدى الفلاسفة اللاّتين فهنالك مخطط آخر سائد لأنماط الحياة وهو الفصل بين حياة العمل وحياة اللاعمل “otium, negotium= nec+otium”، وهنالك ايضاً اشارات إلى نمط حياة مختلط، وحسبما يورده سينكا2 في دليله الذي أخذ به فيما بعد: “خلط التأمّل، والعمل” فالغاية هي بالاكثر لطرح فكرة أن العمل والتأمّل لايمكنهما التقدم بدون حاجة الواحدة للأخرى، لكن وبصورة حاسمة بالرغم من وجود العديد من الصيغ لحياة “مختلطة” فالمفكرون في القدم يتحدثون غالباً باستخفاف عن حياة العمل اليدوي ويتّفقون على ان معظم الاهمية تنصب في التأمّل إلى غاية اعتبار التأمّل “المَهَمَّة الروحية”.

2: أ: 2- في الكتاب المقدّس:

نرى في العهد القديم تياران متضادّان، فالأول، وهو متشائم، والذي ينطلق من الاحساس الواعي بالحاجة الملحّة إلى العمل للعيش والبقاء وكذلك فناء الاتعاب (حكمة 2: 22-23) والتي غالباً ما تكون مفروضة على الانسان (خروج 1: 8-14). أمّا التيار الثاني والذي يخالفه تماماً اذ يمتدح العمل خصوصاً ذلك المنفّذ باتّقان وتفنّن ويكون موجّهاً لخدمة الله، وفي هذه الحالة فالكتاب المقدّس يدعونا إلى تقدير سمو وجمال العمل، فعلى سبيل المثال في قصة بناء سفينة نوح (تكوين 6: 13-16)، وبناء هيكل أورشليم (1 ملوك 5: 15 – 7: 51)، وهذا التيّار الأخير سيتطور ليعطي بعداً أواخريّاً في العهد الجديد: “أورشليم السماويّة” في سفر الرؤيا التي تظهر لنا بشكل مدينة مبنيّة كآية من الجمال.

2: أ: 3- في الجماعات المسيحيّة الأولى:

بعد الحماس الأواخري الذي كان يحثّ معظم المؤمنين لكي يأتوا ويلقوا بخيراتهم أمام اقدام الرسل لكي يتقاسموها (أعمال 2: 45) نجد وبسرعة فائقة الالحاح في الحاجة إلى العمل بين الجماعات المسيحية الأولى: “من لايريد أن يعمل فلا يأكل” (2 تسالونيقي 3: 10) فالكثير من الجماعات المسيحية الأولى كانت تعيش في المدن وكانت مكوّنة من عمّال يدويين ونحاتين وبقّالين وتجّار وعبيد محررين، وتبعاً لذلك نجد في العديد من الوثائق نصوص تحثّ على العمل. ففي كتاب الديداخي3 نجد أن العمل هو شكل من التعاون البشري في عمل الله ان لم يكون يعود بالفائدة بصورة أو بأخرى بفائدة إلى القريب.

2: أ: 4- عمل الرهبان:

يرتبط العمل في الحياة الرهبانيّة بمسألة الفقر. ففي مصر كان من الطبيعي أن يعيش الراهب من عمل يديه، فبالنسبة لباخوميوس فان هدف الحياة الرهبانيّة ليس اقتناء حياة تأمل باطني وحسب، بل تحقيق المبدأ المسيحي الأولي حيث ان الدير يتحول إلى شكل قرية مسيحية مثاليّة.

أمّا لدى السريان فقد تطوّر نوع من الثقة بالارادة الالهية، فلأجل العيش كان الرهبان يعتمدون على الصدقات، وبهذه الروح نفسها في صحراء مصر كان الأبّا يوحنّا كولوبوس4 يرغب بألاّ يكون له أيّ اهتمامات فيعيش مثل الملائكة الذين لايعملون فلذلك هم قادرون على خدمة الله بلا انقطاع. لكن في نهاية القصة نجد بأن الحالة تنعكس!! فبعد أن مرّ أسبوع من انتقال يوحنّا إلى الصحراء نراه يعود ليطرق باب “الأخ الأكبر” الذي بدوره لايفتح له الباب تاركاً اياه مرتعداً في الخارج حتى الصباح متعذّراً بأن طارق الباب ليس بالأخ يوحنّا “لأن من اللحظة التي أصبح فيها يوحنّا ملاكاً، فهو ليس بانسان بعد!”، وفي النهاية يعطيه هذا الدرس: “إنك انسان، وعليك بالعمل كي تستطيع العيش”. وهذا الموقف نجده واضحاً للعيان في جماعة المُصلّين الذين أخذوا بهذا الموقف إلى أبعد الحدود رافضين بالمبدأ أي شكل من أشكال العمل اليدوي.

لكن في شكل مخالف لما سبق، نجد في موضع آخر أنه بدأ يعتبر تقليداً أن يقدّر الرهبان العمل ويثمّنوه كأداة موائمة للحفاظ على الروح من الضياع وكشكل من أشكال الزهد (خاصّة لدى الرهبان السلافيين فالعمل كان قاسياً جدّاً)، لكن العمل كان يعتبر أيضاً كخدمة مقدّمة تجاه المجتمع ومصدراً للدخل الذي يدعو بالتالي إلى ممارسة أفعال العطاء.

وبهذا ساهم الرهبان بشكل واسع بتغيير كبير في العقليّة السائدة، فالعالم القديم كان يقيّم بصورة خاصة العمل العقلي ويستهين بالعمل اليدوي، لأن الانسان -بحسبهم- يستحيل إلى صورة العمل الذي يقوم به. وهذا كان المبدأ الأساس الذي بسببه كان اليونانيين يعطون تفضيلاً للفنون الحرّة محترمين المهام الوضيعة. ذات العقليّة حوفظ عليها في القليل من السياقات المعتبرة على الاكثر هرطوقية كما هو الحال مع جماعة المصلّين الذين كانوا يرفضون العمل متذرعين بان الصلاة المستمرة هي ذات أهميّة أكبر.

لم ينكر المسيحيين أبداً صعوبة ايجاد موقف متوازن تجاه العمل، لكن الشيء المؤكد هو أنهم كانوا يحافظون على الابتعاد عن الفلاسفة الوثنيين بسبب المعنى الذي كانوا يضفونه على فكرة “الروحيّ”. فالانسان يصبح روحانيّاً بسبب مشاركة الروح القدس في حياته وليس لأهتمامه بأمور “غير مادّيّة” أي “عقلانيّة”. حقّاً إذ كان الرهبان يعتقدون بشكل راسخ بأن هذه المشاركة تتقوى بفعل الصلاة، لكن العواقب هي جديرة بالاهتمام، إذ كلّما كانت الاعمال تسهّل الصلاة، كلّما كانت تعتبر “أعمالاً روحيّة”، ومن بين هذه الأعمال الممتدحة نجد الزراعة والطبخ… إلخ. حيث يمكن أثناء القيام بهذه الأعمال الصلاة وترديد المزامير أو بصورة عامّة التذكّر الحيّ والمستمر لله، أكثر من تلك الأعمال الفكريّة التي تتطلب استخدام العقل.

2: أ: 5- “أعمال الله” في روحانيّة القديس باسيليوس:

إن المبدأ الأساس في الحياة الرهبانيّة البنديتينيّة هو ” ora et labora – الصلاة والعمل”، الذي يتبع القاعدة العامّة ويمثل الحلّ المستقيم لمشكلة “الصلاة دون انقطاع” (1 تسالونيقي 5: 17) في حين ان الحلّ الذي قدّمه المصلّين الذين كانوا يرفضون العمل فلقد أُدينَ: “إذ أن وحده الذي يوحّد الصلاة مع العمل هو الذي يقدر على أن يصلّي دون إنقطاع”. ويمكننا أيضاً قلب المصطلحات ووضع الصلاة ليس في المقام الأول وإنما الأعمال كما فعل القديس باسيليوس، فحكمة الإنسان تنصبّ في كشف صوت الله في كل المخلوقات: “العمل” هو قبول كلمة الله الخلاّقة “بالفضيلة”. لكن باسيليوس يفسر ما يسمّى بـ: “عمل” هكذا: “{لله} يتفهّم جميع اعمالنا لأنه خالق القلب، فعندما نتكلم عن أعمال فنعني أيضاً الافكار والتفكّرات بصورة عامة مثل أي فعل للإنسان”، لذا فإن تفكّراتنا هي حقائق، هي أعمال، ولهذه أهميّة أكبر من الفعل الخارجي والمادي الذي يتبع تفكّراتنا، الذي يمكننا تشبيهه بالاهداب التي تتدلى من أطراف الملابس، نطرح مثلاً آخر: التفكّرات والتأمّلات، هي كلمات قصيدة لكي تكون مدوزنة بصورة جيّدة، عليها أن تكون مترافقة مع المزامير، أي جسمنا وعمله.

وإن كان باسيليوس ذو روحٍ “عمليّة” إلا أنه لايستخف بحياة التأمّل، بالعكس، فإنه يدين الحقيقة الواعية بالروح الانساني على انها ليست بلعبة مفاهيم وانما كمَهَمَّة مُهِمَّة، كقوة فعّالة في العالم، لأنها مشاركة في تفكير الله الذي يخلق ويحافظ على الكون. إن فكر الله هو المرور بكلّ الخليقة وإعطائها حياةً وإثماراً. وهكذا فكر إلهي مفهوم عبر روحنا الانساني فعليه أن يعطي بنفس الطريقة حياةً وإثماراً لكل فعّاليّة بشريّة، أي للرغبات والأفكار والكلمات والأفعال الخارجية محوّلة إيّاها إلى قانونها الداخلي، ومدبّرة كل شيء نحو هدفه الروحي. هكذا شيء عليه بطبيعة الحال أن يكون أيضاً عمل الرهبان، لذا فعليهم أيضاً أن يتعبوا مثل بقية الناس لكن دوما مع إمكانية داخليّة جيّدة للتذكّر المستمر لله.

2: أ: 6- لاهوت العمل بحسب القديس يوحنا فم الذهب والآباء الأنطاكيين:

إذا كان اليونانيّون يفكّرون بأن الأعمال الماديّة لا تدخل ضمن اهتمامات الفيلسوف، فإن الربينيّين في العالم اليهودي كانوا على العكس تماماً إذ إنهم كانوا يمتدحون عمل الأيدي مشبّهين إيّاه بالـ: “الزوج” المكمّل لدراسة الشريعة.

أمّا آباء المدرسة الأنطاكيّة المتطبّعين بالحسّ “السّامي” فإنهم يتبعون التيّار ذاته، فبالنسبة لهم فالانسان هو صورة الله ليس في فضيلة العقل بل بالسيطرة التي يمارسها على العالم فعندما يعمل في العالم المرئي فإنّه يتشبّه بـ: “عمل” الله. وفي الوقت الذي أوكل العالم إلى الانسان “ليتسلّط على سمك البحر…” (تكوين 1: 26)، فالله “يدخل في استراحته” ويوكل إلى صورته الاهتمام بإتمام مهامّه. وهكذا فالعمل لايمكنه أن يكون شاقّاً جدّاً، إذ إنه في حقيقة الأمر التمرين الفرِح للحكمة. لكن الخطيئة قد اقترحت التعب. أمّا في قاموس القديس يوحنّا فم الذهب فلدينا مفردتين، الأولى ” ergasiaالعمل” والثانية ” ponosالتعب”، فالقيام بعمل ما “ergazesthai” هو شيء، والتعب المصاحب للعمل المستمر “ponein” هو شيء آخر.

إن المصطلحات الأتية: “ponos, kopos o penia”، أي التعب، والعناء أوالجهد، هي المفردات الي بها تُعرَف الطبيعة البشرية بعد الخطيئة، وبما انها عقاب “جسدي” فإن التعب يمكن أن يأخذ معنىً آخر أكثر ايجابية. إذ نجد أن فيلون5 يقوم بوصف العمل في مقاله المعنون “التضحيات” مؤكّداً لنا بان العمل يقودنا إلى الحياة الفاضلة.

أمّا في اللغة اليونانيّة الهلينستيّة فكلمة ” ponosتعب” كانت تعني العمل اليدوي، لكن الكتّاب الديرانيين كانوا مقتنعين بأن التعب يصاحب أيضاً العمل الروحي، على سبيل المثال في الصلاة المثابرة. لذا فنجدهم يكرّرون ما كان يقوله فيلون بصورة حرّة (وهذا يقودنا التفكير بما كان يقوم به المؤلفون القدامى خصوصاً الرواقيين)، حيث لايمكن “إقتناء الفضيلة دون تعب”. لذلك فالراهب هو بالضرورة محبّ التعب أي ذلك الذي يحب العناء. أمّا ثيودوريطس القورشي فيفتخر بزهد الرهبان السريان لأنهم قاموا “بحروب لا ترى، ومعارك لا يمكن أن تشاهد،…، ومن خلال عناءات ليست بالقليلة استمرّوا في طريقهم في حياة الفضائل”. في حين ان يوحنّا كولوبوس في سؤاله لأحد الشيوخ الرهبان عن: ماذا يعني الراهب؟ فيردّه الآخر بجواب كالبرق: “عناء، حتى في أدنى الافعال التي يقوم بها عليه أن يعاني، هذا هو الراهب”.

فضلاً عن هذا وذاك، فالعمل يقبل كمشاركة حرّة  في صليب المسيح، فالعمل الرهباني ينقّي الراهب ويبدأ شيئاً فشيئاً بفقدان شكله المتعب والقاسي ليتحوّل إلى أمر مرغوب فيه. في كتابات مقاريوس المنحولة نجد عبارة بصيغة تلاعب بالمفردات “ponos-pothos”، أي: “التعب راحة!”.

2: أ: 7- العمل بحسب ثيودورس الستوديتا6، هو مقياس التعبّد:

بالنسبة إلى ثيودوروس الستوديتا لا يعتبر حبّ العمل فضيلة على مستوى فضيلة الطاعة والتواضع، لكن حب العمل يعني العمل الكثير. فنراه يشيد برهبانه: “التزموا بأعمالكم الملقاة على عاتقكم، ولاتقوموا بها بتوانٍ، أستعملوا كل ما عندكم من عُدَد: أحدكم فليجرّ العربة، والآخر عليه بالمحراث، وآخر ليمسك بيده اليراع، وآخر ليحمل الفأس وبعضكم ليحمل ألواح الخشب وأي شيء كان، حتى وإن صادف أن سمعتم بعض الأحيان شيء من التوبيخ”.

لذا فالعمل هو مقياس التعبّد الديني لأن: “وحده من هو نشيط في الالتزامات والواجبات اليدويّة، هو ذلك الذي يكون نشيطاً وحارّاً في الالتزامات الروحيّة”. هكذا فثيودوروس لا يحبّ الرهبان الذين يبحثون بشتّى الطرق للتهرّب من العمل، مثال على ذلك في زمن البرد القارص هناك من يتهرّب من العمل في الخارج وتراه ينتقّل في المطبخ لأداء بعض الأعمال الصغيرة، أو اولئك الرهبان الذين لا يعودون مباشرة إلى العمل بعد تعافيهم من فترة مرض معينة.

ولسبب أهم من ذلك فثيودوروس لا يفهم موقف اولئك المتحجّجين بأسباب الصلاة أو التأمّل ويريدون أن يوعفوا من العمل! فالعمل هو تضحية الانسان والصلاة الطقسية للراهب، أي قدّاسه وقربانه الذي من خلاله تتحول الحياة الديرية إلى حياة ملائكيّة، لأن العمل يصنع من الراهب متعبّداً يضحي بذاته كلّها كذبيحة.

تأليف: توماس شبِدْلِكْ / ترجمة: الأنبا سامر صوريشو يوحنا الراهب

الهوامش:

1 ديوجينس اللاريتسي: مؤرخ سير حياة الفلاسفة اليونان عاش في الفترة بين (200-500).

2 سينكا: يعرف أيضا بسينكا الأصغر 4ق0م : 65 م أي القرن الاول ميلادي كان فيلسوفا رواقيّاً رومانياً، رجل سياسي وكاتب مسرحي، وقدم عمل هزليا واحدا من العصر الفضي للأدب اللاتيني. من بين تصوراته الفلسفية موقفه الرواقي في فن سياسة النفس بحيث يتحكم المرء في رغباته واحاسيسه الجسمية ومطالبه العضوية وهو ما يحقق للمرء قدرا من الاستواء واللامبالاة تجاه الأحاسيس والسكينة التي هي منتهى الحكمة والسعادة.

3 الديداخي: من اليونانية Διδαχήأي التعليم، وهو من الكتب المسيحية المبكرة ينسبها معظم العلماء لأواخر القرن الأول أو بدايات القرن الثاني، تحتوي على تعاليم دينية للمجتمعات المسيحية الأولى بشكل دروس عن الشعائر الدينية مثل التعميد وتنظيم الكنيسة…إلخ، اعتبره بعض آباء الكنيسة جزءً من العهد الجديد لكن آخرون رفضوه كونه كتاب منحول أو غير قانوني. في النهاية لم يقبل هذا الكتاب ضمن كتب العهد الجديد ما عدا لدى الكنيسة الأرثوذكسية الأثيوبية. أمّا كنيسة الروم الكاثوليك فقد قبلته كجزء من مجموعة الآباء الرسوليين.

4  يوحنّا كولوبوس: أو يوحنّا الصغير (القصير)، وهو أحد كبار قديسي آباء الصحراء في مصر، إذ نجد اسمه في بين الآباء القديسين المذكورين في الصلوات الليتورجية، ولد حوالي سنة 339 في كنف عائلة فقيرة مؤمنة. عشق الحياة الرهبانيّة منذ نعومة أضفاره، وكان يزور المناطق المنعزلة مراراً حتى قادته العناية الالهيّة ليترك قريته باستا ويعتزل عن العالم في سن الـ18، فذهب الى وادي نطرون وكرّس ذاته وقلبه كله لروح المسيح، فاصبح تلميذاً للأبّا بيمواح وصديقاً للأبّا بيشوي. عُرفَ بطاعته المطلقة، إذ يروى أن معلمه أمره يوماً بزرع عود يابس في الصحراء وأن يسقيه مرتين في اليومرغما عن بعد بركة الماء حوالي 12 ميلاً من المكان الذي كانوا يسكنون فيه، وبعد ثلاث سنوات نما العود واصبح شجرة واعطت ثماراً فجلب من ثمار تلك الشجرة الى اخوته الرهبان قائلاً: “كلوا من ثمار شجرة الطاعة”. رسم كاهنا وعين بعدها رئيساً للدير الذي أسسه قرب شجرة الطاعة، لكن غادر الدير اثر هجوم البرابرة على المنطقة سنة 395 فهرب لاجئاً الى جبل القلزم (السويس) حيث مات هناك. يحتفل بتذكاره في الـ17 من تشرين الأول.

5 فيلون الإسكندري: ويعرف أيضاً بفيلون العبري، ولد في الأسكندريّة سنة 20 ق.م. وتوفي سنة 50 ب.م. فيلسوف هلينيستي ذو ثقافة عبريّة، أمّا الوصف الذي لدينا عنه فنجده في بعض الاشارات في كتابات فلافيوس يوسيفوس إذ يقول: هو إنسان واسع الثقافة وممثل لأقوى الجماعات العبريّة في الأسكندريّة. إذ يتحدّر فيلون حقاً من أغنى وأكثر العوائل سلطة وتأثيراً في المدينة ومن المرجّح أن يكون أوّل أكبر مفسّر للنصوص الكتابيّة المعروفة لديه في الترجمة اليونانية.

6 ثيودوروس الستوديتا: (759- 826) راهب بيزنطي ورئيس دير ستوديوس في القسطنطينيّة، لعب دوراً حيويّا ومهمّاً في كل من الحياة الدينية البيزنطيّة وكذلك في الأداب البيزنطيّة على العموم. عرف كمعارض غيور وصارم تجاه حركة تدمير الايقونات الذي يعد واحداً من العديد من الصراعات التي جعلته في مواقف حرجة سواء مع الامبراطور أو البطريرك. يحتفل بتذكاره في الـ11 من تشرين الثاني.

(الجزء الثاني)

1: 4- القراءات الروحيّة:

          إن القراءات الروحية1 المسيحية والرهبانية قد تأثرت حقيقة بالعالم اليهودي، بغض النظر عن هذا، فان من الممكن أن يكون اوريجانوس أول من أوصى بدقة على ممارسة “قراءة إلهية” لكن علينا ان نعرف كيف انه من غير الملائم استخدام المصطلح “قراءة” في تحديد نوع الكتب الروحية في الوقت الذي كان يعني ذلك شكلاً من “مشاركة” وحوار مع الله. إن “تهذيب” الكتب المقدّسة يستدعي شيء من الرمزية الذي يغمرنا في الجو الكتابي، لكن اوريجانوس هو من ثبت هذه الصورة في التقليد الكنسي، فبالنسبة له فان الكتب المقدّسة والاوخارستيا هما مرتبطان بشكل وثيق لأن الكتاب المقدّس هو واحد من “تجسدات” كلمة الله “اللوغوس”.

يتفق جميع الآباء الروحيون على الحقيقة القائلة بأنه يجب تجسيد الحقيقة الموجودة في الكتب المقدّسة، لكن الموقف الاساسي للكشف المكتوب يمكن أن يتنوّع، وهنالك تعبيران مجازيان يشرحان جيّداً هذا الفرق: “الإبحار ثانية” و “التطهير في آبار يعقوب”. فالتعبير الأول استخدمه على نحو معروف الراهب الروسي التقليدي الذي سبق ذكره مرارا يوزف فولوكولامسكي2 اذ يقول: “ان الابحار الأول يكون باستخدام الاشرعة أي بواسطة الروح القدس، أمّا الثاني فيكون باستخدام المجاذيف أي الكتب المقدّسة”. فعندما يفتقر الناس إلى الأولى وذلك بسبب عدم استحقاققهم فحينها يلزم استعمال الشكل الثاني والتمسّك به.

أمّا رأي اوريجانوس فهو خلاف ذلك تماماً يتبعه في ذلك دورثيو من غزة 3، ففي البدء لم يكن للإنسان قاعدة اخرى للارشاد غير الضمير ذاته. وتلك “الآبار التي حفرها يعقوب” (تك26: 15)، قد ردمها الفلسطيين” لكن القراءات الالهية تطهّرها، لكن في هذه اللحظة اذا كان الضمير “فاسداً” فلا يتم التعامل على اساس ابداله لكن على اساس ايقاظه، وهذا هو التأثير الاساسي للتأمّل في الكتاب المقدّس. واذا كان الرأي الثاني يفضل الحرية المواهبية فعلى العكس من وجهة نظر يوزف فولوكولامسكي يمكن ان تتحول بشكل خطير إلى “معرفة كتابية” كما هو واضح بسهولة في مطالعتنا لتاريخ الحياة الرهبانية بصورة عامّة وفي الحياة الرهبانية الروسية بشكل خاص.

ففي البلدان السلافية كان للكتب سلطة واسعة. أمّا لدى اليونان فالبشرى السارّة كانت تمثل نصر البسطاء على تأثير الثقافات وسياسة الوثن. لكن في البلدان السلافية فعلى العكس، فالعالم المسيحي كان يقدم كعالم حضارة والذي نقلت تعابيره ذات الآفاق الثقافية الحديثة بسرعة كبيرة إلى العديد من اللغات الوطنية. ان اجلال الكتب يظهر واضحاً للعيان في جميع وثائق الرهبانيات. وهكذا فعلى سبيل المثال فبالنسبة لـ: نيل سكورسكي4 فان الحياة الروحية تعني: “العيش بحسب الكتب المقدّسة، واتباع الآباء القديسين”، والقوانين الرهبانية الروسية القديمة للتوبة تدين بحزم اولئك الذين لا يقرأون الكتب الروحيّة: “إذ انها اعطيت لنا لخلاص نفوسنا”.

1: 5- الكتابُ المقدّس:

كما تؤكد العديد من الدراسات، فإن للكتاب المقدّس دور كبير منذ بداية الحياة الرهبانيّة، فإذا كان باخوميوس قد الزم نساكه بتعلم القراءة فإن الدافع من وراء ذلك هو وضع الرهبان في مقام يمتلكون فيه الاتصال المباشر مع النصوص المقدّسة. أما اولئك الذين لم يكونوا من العارفين بالقراءة فكان عليهم الاصغاء بانتباه إلى القراءات اثناء التجمّعات “متأمّلين” و”مجترّين” لها طوال النهار، لكن ما الهدف من هذا؟

ان القوانين الاخلاقية لباسيليوس تظهر بأن الرهبان كانوا يستخدمون الكتب المقدّسة في المركز الأول كقاعدة لحياتهم. ولهذا السبب كانوا يركّزون انتباههم على جميع ما قيل بصيغة وصية والذي يشير إلى “القانون الجديد”. بالنسبة لأولئك المتواجدين في الاديرة فان باخوميوس يأمر يأن يتبعوا “قانون الكتاب المقدّس” ففي هذا السياق يجب ملاحظة أنه في المدارس القديمة للإمبراطورية فإن التعليم الأخلاقي كان يتبع الأمثلة أكثر من الوصايا. محولين هذا الموقف في محيط مسيحي، فالرهبان كانوا يبحثون في الكتاب المقدّس عن “أنماط” حياة كي يتشبّهوا بها.

فالكتاب المقدّس بالنسبة للتأمّليين هو الوسيطة للتسامي بالروح نحو الله، فالقديس يوحنا ذهبي الفم5 كان يختلي منعزلا حيث “يمكنه تعلم عهد المسيح عن ظهر قلب لكي يتخلّص بالتمام من الجهل” ومن جانب آخر كان المتفاخرون يبكّتون اذ كانوا يخصصون ذاتهم لبحوث غير ذات نفع لتبصرات مجدبة، اولئك الذين كانوا يريدون تقصّي الكلمات الالهيّة دون تمهّل. فبالحقيقة، بما ان الكتاب المقدّس يحتوي على اسرار، لذلك فيجب وبشكل خاص معرفة كيفية اجتناء المعنى الروحي لنصوصه.

يجب أيضاً ملاحظة أن في قراءة الكتاب المقدّس بذاتها فإن هنالك جانب مقدّس، فعندما يقال أن الكتاب المقدّس هو روحي فذلك يعني بأنه “مملوء بالروح” وهو “تجسيد اللوغوس” تحت صيغة الكلمات، لذا فالقراءة هي مثل وحدة روحيّة، وهنا يختم القديس يوحنا ذهبي الفم بقوله: “إن معرفة الكتب المقدّسة تقوّي الروح، وتنقّي الضمير، وتستأصل الشهوات الخانقة، وتزرع الفضيلة، وتخفف هموم الفكر، وتحول دون أن نكون مغمورين بصروف الحياة وتقلّباتها اللامتوقّعة، وترفعنا فوق دواهي الشيطان، وتسكننا قريباً من السماء ذاتها، وتحرر النفس من أوثقة الجسد، وتعطي لأجنحتها قوة التحليق، وتدخل في نفوس القرّاء كل الخير الذي لم يستَطع قوله”.

إنه لمن المثير كل ما يقال عن صانع المعجزات الراهب الروسي سيرافيم من ساروف6، إذ في فترة الابتداء كان يقرأ الكتاب المقدّس: “لم تكن قراءة بسيطة، لكنها كانت طريقة روحية خاصة للصلاة، وللتوبة، وللإستحواذ على كل ما يقرأ، إنها شكل معيّن من التنسّك، فقد كان يقرأ بهيئة الصلاة واقفاً أمام الايقونات، فالمبتدئ بروكورو (هذا كان اسمه قبل النذور الرهبانيّة) كان يقرأ وكانت قراءته في نفس الوقت تطبيقاً لما كان يقرأه بحسب كلمات مار يعقوب الرسول: “لتكونوا كأولئك الذين يطبّقون الكلمة وليس سامعون لها وحسب”. (يع 1: 22).

1: 6- البحث عن الحسّ الروحي:

لقد اختبر آباء الصحراء في بعض الأحيان أمام الكتب المقدّسة خليط من حسن التمييز والرهبة، فالذكاء البشري لا يمكنه التوصّل لوحده إلى فهم الحسّ الروحي فيها. فهو في حقيقة الواقع ليس قابلاً للفهم اذا اعتمدنا فقط على الدراسة، لكن وبشكل أكبر من خلال الصلاة، لأن هناك حاجة كبيرة لتنوير خاص معطى من قبل النعمة. وهذا لا يستبعد الحاجة إلى الجهد البشري. وفي هكذا معنى، فإن كل “الطرق” المتنوعة هي مسموحة في محاولتها للتقرّب من النصوص، أي ما معناه كل أنواع التفاسير الكتابية.

ففي المقام الأول نضع “التفسير الأخلاقي”، فالرمز الضروري لقراءة مثمرة يكمن في تطبيقها على سلوك وطريقة عيش مقدس. فالقوانين الأخلاقية لباسيليوس هي مثال رائع لهذا التطبيق، فما نفع معرفة واسعة في النصوص الكتابية إن لم يكن لها أثر كبير في تغيير نمط حياتنا؟ فمن هذا المنظور عندما يبدأ التركيز على القراءة الروحية عندها يفضّل قراءة القليل مختارين ما نحن بحاجة اليه. لذا يجب تركيز اهتمامنا قبل كل شي على ما هو مكتوب بشكل مبدأ أو قاعدة والذي بدوره يعبّر عن “القانون الجديد” أو بالاحرى تحويل انتباهنا نحو الشخصيات التي هي نماذج للفضيلة.

أما التفسير “الرمزي” أو “الاستعاري” فيبدو من الوهلة الأولى مختلفاً قليلاً. لكن في نهاية الأمر فإن غايته هي نفسها: “إيجاد تمثيل للحياة الفردية في تلك النصوص التي تمسّنا بشكل أقل مباشرة، على سبيل المثال في بعض الحقائق التأريخية او الأوامر في شريعة موسى والتي ان أخذت كصور يمكنها أن تطبق على المسيح وبالتأكيد على حياة أي مسيحي.

لكن يمكننا أيضاً الحديث عن المظهر “الاستذكاري” للقراءة الروحية، كما هو الحال في الليتورجيا: فالكتب المقدّسة تستدعي الماضي محوّلة إيّاه إلى حاضر بمقياس معيّن، ضامنة الابدية الفعّالة للأسرار الالهيّة. فكل من يقرأ يشعر بأنه متضمن في تاريخ الشعب المختار وكذلك في الحياة الأرضية ليسوع. ففي هذا المعنى يكون من المفيد قراءة الكثير. فالرهبان الذين كانوا يقومون بذلك على سبيل المثال الرهبان السريان كانوا يقولون بانهم كانوا يختبرون شعور اعادة احياء باطني لجذورهم الروحية. وهكذا أنواع من قراءة تطهّر النفس والعالم لأن النصوص الكتابية تحتوي على قوّة خاصّة.

1: 7- التأمّل:

يقال بأن ممارسة “التأمّل” هي متعلقة بشكل اساسي بالغرب واكثر من ذلك أنها ظاهرة حديثة العهد ويضاف إلى ذلك أنها قد لا تكون معروفة بالنسبة للرهبان في القرون الأولى. بداية علينا أن نميّز جملة المعاني التي تحتوي عليها كلمة “تأمّل” والطرق التي تتعلق بها. ففي العهد القديم كان يعبّر عن فكرة التأمّل بالفعل العبري (ihgh) والذي يقابله باليونانية (Meleta,w) وبالتالي في اللاتينية (Meditari= Meditatio) والذي منها اتانا المصطلح النهائي، فالجذر العبري السامي لهذا الفعل يقابله في العربية “هجا، قرأ” أي الهمس أو الدمدمة بصوت خافت (مز 1: 2)، وهذه هي الطريقة التقليدية “للحفظ عن ظهر قلب” لكل ما يقرأ بالتكرار.

وعلى نفس المنهج، فالتأمّل المسيحي هو الاستذكار وتكرار قراءة نصوص الكتاب المقدّس لتحويلها إلى غذاء النفس. ففي قانون باخوميوس نجد هذه التوصية: “على كل من يقرع الجرس لكي يجمع الاخوة، التأمّل بينما هو يقوم بالقرع”، “على كل من يقف على باب غرفة الطعام ليوزع الحلوى على الأخوة، أن يقوم بواجبه متأمّلاً بنصٍّ كتابي”.

يشير كاسيانوس إلى ان الرهبان الشرقيين باستمرارهم على هذا النوع من التمرين طوال النهار خلال فترة العمل اليدوي كان يحل محل الصلوات القانونية في كثير من المرّات. له الحق تيوفانوس الحبيس7 عندما يصرّح بأنه بالنسبة للرهبان القدامى كان الفعل “تأمّل” يعني فعل التعلّم عن ظهر قلب كلمات الله وتكرارها بصورة متواترة إلى أن تتحول أفعالنا وكلماتنا ومشاعرنا كما يقال “متّشحة” بالكتاب المقدّس وأن يمتلئ قلبنا من حلاوة كلمة الله. ففي هذا السياق فإن التأمّل هو مرادف لـ: “الصلاة غير المنقطعة”.

1: 8- السّير الروحانيّة:

إن فكرة المحافظة على ذكرى الأبطال العظام وأنماط حيواتهم الجليلة لم تكن وليدة المسيحية. ففي الوثنية القديمة نجد العديد من التراجم وسير حيوات الفلاسفة والأبطال. لكن علينا الانتظار حتى منتصف القرن الثالث كي نجد سير حياة مسيحية. فالسيرة الأقدم والتي يمكننا تسميتها كذلك هي “حياة وعذابات قبريانوس”8 التي كتبها شمّاسه بونزيو. أما بالنسبة للرهبان الغربيين فان جيرولامو9 قد كتب “سيرة حياة بولس” و”سيرة حياة ايلاريون”10. وفي الشرق كانت تقرأ سيرة حياة أنطونيوس التي كتبها أثناسيوس11، وسيرة حياة القديسة ماكرينا12 التي كتبها غريغوريوس النيصّي13، وكذلك “قصص الرهبان” التي كتبها ثيودوريطس القورشي14. أمّا أروع سيرة حياة كتبت في القرن السادس فهي لكيرلس من شيتوبولي كاتب سيرة “حياة القديس ايوتيميو”15، وسيرة “حياة القديس ثيودوسيوس”16 ومن السير المهمّة أيضاً “سيرة حياة القديسة ميلانيا”17 و”سير حياة القديسون العموديون” أمّا في القرن العاشر فسيرة “حياة القديس أثناسيوس الآثوسي”18 تعرض لنا المؤسس الحقيقي للحياة الرهبانيّة في آثوس. أمّا الأدب الغريغوري والأثيوبي والسلافي فهو غنيّ جداً بسير حيوات القديسين.

الآن، إنطلاقاً من سرد حيوات هولاء القديسن يمكننا الاشارة إلى بعض الملامح العامّة بين هولاء القديسين. بدءً ان لجميعهم موقف يفضي إلى الرفض تجاه العالم، وعطش واضح للعيان للهيسيخيا19 والتي تعتبر مرادفاً للحياة الدينية المثالية. أما الحياة الرسولية ما عدا تحت شكل الارشاد الروحي فهي نوعاً ما غائبة تماماً. والأكثر من هذا، فإن السير الرهبانية تعطينا شهادة للمبداً الاساسي للروحانية الشرقية ألا وهو: ان الطريق الوحيد الذي يقودنا إلى التأمّل الصوفي هو العمل، ومن هنا تنبع جميع أنواع الحياة النسكية المعروفة لكم: التغرّب، أي الحياة في البلدان الغريبة، الطاعة الموصوفة مثل شهادة، الاماتات الجسدية، واكثر من ذلك تحت شكل الصوم المنقاد إلى ابعد الحدود، السهرات، العمل اليدوي، في بعض الأحيان كان القديسون يدّعون بالجنون للإنتصار على تجربة الشهرة الباطلة. وهم متفقون أيضاً على الانفصال عن المشاعر الاقاربية ورفض الاحترامات وحتى الكهنوت. وهذا الانفصال كان يقترح شكلاً من نمط حياة غير مستقرّة التي كانت تدفعهم للركض من بلد إلى آخر. مختصر الحديث، فانهم كانوا يعيشون حياتهم النسكية بكل الاشكال التي كانت تقودهم إلى السلام بالله.

كل هذه القصص قرأت وكان لها أثرها البالغ على حيوات الرهبان في جميع الحقب.

1: 9- كرازات الآباء:

إن كلمة كرازة باليونانية (o`mili,a) تعني التجمّع والصحبة، وبالتالي مقابلة من نوع ديني. فالمراسيم والكرازات الخاصّة بمؤلف ما نجدها بسهولة في “مجاميع” كما هو الحال مع كرازات يوحنا ذهبي الفم وغريغوريوس النزيانزي. وتحمل هذه المجاميع اسم “الكواريز” عندما يكون موصى بها جنباً إلى جنب مع كتب الاسرار بحسب الدورة الطقسية للسنة. وعندما تحدد هذه البنية الاساسية يمكن أن نجد تنوعاً ملوحظاً في المحتوى.

ان النصوص هي مختارة لوظيفة ذات بعد روحي: التأمّل الفردي أو القراءة الجماعية أو لقراءتها اثناء الطعام، أو الكرازة بها للعموم، أو بالأخص للقراءات الطقسية. بصورة عامّة فإن جامع الكرازات ليس بناسخ بسيط، وانما شخص يختار ويرتب بحسب فكره الخاص العناصر التي يرغب بتنظيمها. لذلك لدينا العديد من “الكواريز” المتنوعة، لكن العنصر الاساس يبقى ثابتاً ألا وهو الاشارة إلى “الآباء ذوو السراط المستقيم”. لذلك فالروحانية النقيّة التقليدية نجدها في الكواريز. أمّا التنوّع الكبير الذي نلقاه في هذه الكواريز الشرقية في العديد من الحالات هو نتيجة لتطبيق تقاويم طقسية مختلفة.

ان مجاميع الكرازات الخاصة باعياد المسيح أو القديسين تدعى بالكرازات الاحتفالية، وهناك مجموعة أخرى تدعى بكرازات الايام العادية وهي تكميلية وصفية أكثر منها كرازية، موجهة إلى القراءة الروحية ومرتبة بحسب اشهر السنة الطقسية. وهذه يجب أن تختلط بالسنكسار الذي هو مجموعة سير للقديسين مختصرة ومركّزة (شبيهة بسير الشهداء الرومانيين).

أمّا المؤلفون الرهبان فنجدهم يستشهدون بنصوص الآباء بصورة حرّة جدّاً. لذلك فعندما يراد معرفة أي من المصادر قد استخدم مؤلف ما في عرضه لهذه النصوص، فيجب حينها الاستشهاد بالـ”كواريز” لأنها الكتب المؤسسة للعقيدة الروحانية التقليدية التي كان يرتكز عليها.

1: 10- التأمّل الباطني:

سوف لن نتحدّث عن التأمّل الباطني20 لأن هذا الموضوع قد اسهبنا فيه في كتابنا “الصلاة”21، أمّا ما سنعرض ههنا فهو الـ: “qewri,a أي النَّظَريّة، من الفعل qewre,w أي نَظَرَ”، فالنظرية لا تؤسس “تطبيقاً” خاصّاً للرحمة، لكنها الموقف العام لحال الراهب. فالامبراطور جوستينيانوس يبدأ روايته 133 التي تعود إلى 539 بوصف يكشف لنا بصورة مباشرة الرأي الرفيع المقدّم لنا في تلك الحقبة للحياة الرهبانيّة المتّحدة بالتأمّل الباطني: “إن الحياة الرهبانيّة، هي مثل التأمّل الباطني الذي يطبق بحد ذاته، هي شيء مقدّس، فهي ترفع النفوس بشكل عفوي إلى الله، وهي نافعة ليس لمن يكرّس ذاته وحسب وانما تحمل عوناً أيضاً لجميع الآخرين، بسبب نقاوتها وتضرعها المتوجه نحو الله”.

عندما يبدأ جوستينيانوس بتشريع القوانين الرهبانية، فحينها كانت قد مضت ثلاثة قرون على وجود الحياة الرهبانيّة. فالحياة الرهبانيّة لم تنشأ من التركيز الواعي على على الكون “متأمّلون باطنيون”، فالراهب لم يكن يسعى سوى لأن يكون مسيحيّاً أصيلاً. والآن فالرمز غير القابل للنقاش للكمال المسيحي هو المحبّة، وكشفها الأكثر امتيازاً هو الشهادة، ومن ثم “الايمان المستقيم وحفظ وصايا الله”. فالروحانيّة “البدائيّة” في الكنيسة تعرّف اذن من خلال الروحانية “العمليّة” أو الفعّالة.

وهكذا نوع من المفاهيم لم يكن ليرضي النفوس الغارقة في الفكر اليوناني، الذين كانوا يؤمنون بأن هدف الحياة هو النظريات. حسناً، كذلك في المسيحية ستكون هذه الظاهرة حاضرةً بصورة مدهشة: الايمان والاعمال لا تقود بشكل مباشر إلى الكمال بل تقدّمنا إلى التأمّل الباطني. انه لمن المحتم أن المعنى “العملي” لن يختفي ابداً بل سيكون له ممثلين مقتنعين بين كبار المعلمين الروحيين في الشرق خصوصاً في البلدان التي نشأت فيها المسيحية قبيل الفلسفة اليونانية على سبيل المثال البلدان الناطقة باللغة السريانية.

ولكن حتى لو صحّ ذلك، فلا يمكن المبالغة في هذه النظرة المعاكسة في مختلف الأديرة. فعلى سبيل المثال، فحتى لو كان الراهب باسيليوس يعتبر مناصراً للنزعة “العملية” فذلك لن يلغي أن ليس عليه أبداً فقدان “التذكّر الثمين لله”، في كل ما كان يقوم به، لذا فانه كان يختبر أيضاً قليلاً من “التأمّل الباطني الخفي”. ففي هذا المجال فقد لزمت نهضة معينة أتت على مرّ العصور.

فالاطار والاصطلاحية للـ: “نظريّة” فقد ثبّتهما ايفاغريوس، لكنه لم يكن بحد ذاته من أقرّ المحتوى. فلقد ساهم في ذلك العديدون، لذا يجب توخي هذا الايهام الذي تبعاً له أصبحت الفكرة السائدة أن تأمّل الرهبان الشرقيين هو التأمّل الباطني بحسب ايفاغريوس. بل على العكس فغنى الاشكال المتعددة لتقاليد التأمّل الباطني كانت من دفعت مقاريوس القورنثي واصدقائه إلى تلك المغامرة التي ستنتج لاحقاً الكتاب المشهور “الفيلوكاليا”. لكن هذا أيضاً لا يمكنه ان يمثّل جميع التقاليد الرهبانيّة.

فالتأمّل الباطني مطروح كـ: “وسيلة تأليه” وهذا الكلام مدعوم بنصّ من ايفاغريوس: “عندما يسمح للشخص العاقل بالتأمّل الباطني بالثالوث الأقدس، عندها يدعى بالنعمة إلهاً، كونه اقترب من الصورة الكاملة لخالقه” بعبارة أخرى: من ناحية يقترح “التأمّل في الثالوث الأقدس” مثل قمّة للـ”نظرية” ومن ناحية أخرى فإن أية “نظرية” تقدمنا في الحياة الداخلية للثالوث الأقدس حيث الابن خلق متأمّلاً الآب بشكل أبدي.

1: 11- هل هنالك حاجة إلى تعريف كل من التأمّل الباطني والكمال؟:

إن الصلاة المستمّرة ترتكز على وحدة الصلاة مع الأعمال، لكن هل ان الصلاة أهم من الأعمال؟ أ ليس على المرء أن يكون كائناً متأمّلاً أكثر منه عمليّاً تبعاً لإمكانياته؟ وأخيراً يمكن التساؤل: ألا يتوافق ببساطة التأمّل الباطني بحد ذاته مع القداسة؟

اذا بقينا في دائرة هذه المصطلحات التي يطرحها ايفاغريوس يمكننا السماح بهكذا هوية. فتبعاً له فالشخص العاقل هو مخلوق يمكنه المعرفة “يتغيّر تبعاً لتنوعات تأمّلاته الباطنيّة”، أليس هذا التحوّل دليلاً على الكمال؟ لعدة اسباب راجحة كانت النسبة الأكبر من المتوحّدين تخاف الوهم بهذا الخصوص. في نص لفيلوكسينوس المنبجي ليس خالياً من التصدّي لهذا الموضوع اذ يتعامل مع هذه المشكلة بصورة صريحة ويتوصّل إلى بضعة خلاصات: إنّ القداسة تختلف عن التأمّل الباطني لسببين: 1- لأن التأمّل الباطني يمكنه ان يتواجد دون القداسة. 2- لأن القداسة يمكنها أن تتواجد دون التأمّل الباطني. والسبب النهائي لهذين التمييزين هو حرّية الله الذي يمنح تأمّله الباطني بشكل مجّاني. لكن هذه “النظرية” المجّانيّة هي ادنى من تلك المقتناة من خلال الطرق العاديّة للتطهير النسكيّة، لأنه من خلال المحبّة فقط، أساس الحياة النسكيّة، تعطى قيمة للكل، سواء للتأمّل الباطني بحد ذاته أو للكمال.

1: 12- الافخارستيا:

في الحياة الرهبانيّة القديمة كان سرّ القربان المقدّس يأخذ خلال القداس الذي كان يُشترك فيه، لكن الرهبان كمسيحيين متّقدين بنار الايمان فكانوا يتناولون القربان المقدّس خارج اوقات التقديس لوجوده محفوظاً في بيت القربان بداخل الأديرة أو بداخل صوامعهم. وتبعاً للتقاليد المنتشرة للأخذ من مائدة الآحاد التي فيها كانت تقام الافخارستيا الجماعية الوحيدة حيث كانت توضع العطايا المقدّسة الكافية لتناولها خلال الاسبوع.

يحدثنا كاسيانوس عن الافخارستيا اليومية التي كان يقوم بها رهبان مصر وكذلك عن القربان المقدّس المتناول يوم السبت وكذلك الأحد خلال الاحتفال الافخارستي. أمّا باسيليوس فيوصي بالتناول اليومي ويؤكد على ان العادة هي التناول أيام الأربعاء والجمعة والسبت والأحد، عندما، على أغلب الظن، كان يحتفل بالقداس الالهي. في غير ذلك يحدّثنا عن المتوحدين الذين كانوا يقومون بالتناول من اشكاله الباقية والمحفوظة على حدة. أمّا الرهبان الذين كانوا يصومون عن القربان المقدّس فلم يكونوا محترمين بل على العكس، نجد كثيراً في سير القديسين أحاديث عن رهبان كانوا يتناولون القربان مباشرة من أيدي الملائكة.

1: 13- أسرار التوبة ومسحة المرضى:

فيما يخص سرّ التوبة، علينا تقديمه بشيء من الدقّة: 1) أولاً، علينا التمييز بين الاعتراف الاسراري وبين كشف الأفكار للأب الروحي في نظر الارشاد الروحي والمتبوعة بصلاة لغفران الخطايا. 2) تعرف القوانين الرهبانيّة نوعاً من العقوبات الجماعيّة للخطايا والذي كان يقترح اقراراً شخصيّاً متبوعاً بالمصالحة. 3) كانت تعرف أيضاً صيغة اعتراف فردي يجري مع متوحّد في الحالات شديدة الأهمّيّة، أمّا لبقية الحالات الأخرى فإن آباء الصحراء كانوا واثقون بقدرتهم على تأمين الخاطئ بغفران للخطايا إذا كانت توبته صادقة. ففي الكتابات الروحيّة الشرقيّة في بعض الاحيان يتم الانتقال من معنى إلى آخر مما يقود القارئ المعاصر إلى نوع من التشويش بين التوبة كفضيلة وبين التوبة كسرّ، لكن هذا حاصل بسبب تقديمه لسر غفران الذنوب في كل المفهوم الواسع للكشف الالهي.

أمّا فيما يخص مسحة المرضى، نذكر بأنه منذ القديم فالرهبان القديسين والعذارى القديسات كانوا يمارسون على المرضى المسحة بالدهن المقدّس أو الدهن المأخوذ من المشاعل الموقدة على قبور الشهداء. هكذا، فكذلك في يومنا هذا نجد في العديد من الكنائس الشرقيّة ان هذا السرّ – حتى لو انه نادرا بسبب الشكل الاحتفالي للطقس- لم يكن يعطى فقط للمرضى، بل للأصحّاء أيضاً، آخذين بنظر الاعتبار أنّ كلّنا مرضى بسبب الخطيئة.

تأليف: توماس شبِدْلِكْ / ترجمة: الأنبا سامر صوريشو يوحنا الراهب

الهوامش:

1 (Lectio Divina) من اللاتينية، وتعني “قراءة الهية”، وهو مصطلح يستخدم في اللغات الأوروبية والغربية للدلالة على الشروحات والتفاسير الروحية للنصوص الكتابية بصورة عامّة، والنصوص الكتابية الطقسية بصورة خاصة. وتختلف عن كل من: قراءة الكتاب المقدس بذاته راجع ادناه 1: 5، والقراءات الروحية العامة التي تتناول الفضائل أو السير الروحيّة للرهبان راجع ادناه 1: 8.

2 ولد يوزف (1440-1515) في مدينة فولوكولامسك في روسيا من عائلة غنية، تعلم القراءة والكتابة في احد الأديرة حيث ترهب هناك في الدير وأخذ منصب رئيس الدير اثر وفاة رئيسه، لكن الانظمة التي فرضها على الرهبان لم تكن مستسيغة فترك الدير وتنقّل بين الأديرة إلى أن اسس بنفسه ديرا توحّدي قرب مدينة فولوكولامسك دعي بعدها باسمه، وكانت الطاعة المطلقة للرئيس هي القانون الاساس في الدير، فضلا عن أنه نظّم وعدّل بقية القوانين الديرية الاخرى. اعلن قدّيساً في الكنيسة الارثوذكسية عام 1591 ويحتفل بذكراه يوم وفاته التاسع من أيلول من كل عام.

3 الراهب والكاتب دورثيو ولد في انطاكيا بداية القرن السادس من عائلة غنيّة ومسيحية حقة، كانت رغبته منذ شبابه الدراسة وحسب، وفي سنة 525 قرر الدخول إلى الحياة الديرية في دير كان قد اسسه الانب سيريدوس في ضواحي غزة، حيث كان هنالك ايضاً كل من برسنافيو ويوحنا النبي كبار معلمي الحياة الروحية. وحوالي سنة 540 ترك ذلك الدير على اذر العزلة التامّة لبرسنافيو وموت كل من الانبا سيريدوس وحنا النبي، وبعد ذلك بفترة اسس له ديرا قريباً من غزة حيث قضى بقية حياته فيه.

4 يعتبر الراهب القديس نيل (1433-1508) قائداً للحركة الروسية التي قامت في القرون الوسطى ضد الكنيسة التي كانت تمتلك الاراضي لصالحها والتي دعيت بـ: “ضد الإمتلاكية”، وتكرمه الكنيسة الارثوذكسية بذكرى يوم رقاده في السابع من آيار. كان نيل يعمل كاتبا قبل أن يصبح راهباً، وتعاليمه اختلفت عن التعاليم القياسية للأرثوذكسية الروسية، فقد طوّر أفكاراً صوفية ونسكية يطالب فيها المؤمنين بالتركيز على العالم الداخلي والخبرات الشعورية الشخصية للايمان كسبل لتحقيق الوحدة مع الله، وكان يطالب رهبانه بالاشتراك بالعمل المثمر والكلام لدعم الاصلاح الرهباني انطلاقا من قاعدة نمط حياة متواضعة ومستقيمة.

5 يوحنا ذهبي الفم: اسقف القسطنطينية ومعلم اللكنيسة، ولد حوالي سنة 349 عرف بالواعظ العظيم، قام بالعديد من الاعمال التبشيرية وكتابة العديد من التفاسير والشروحات في الكتب المقدسة وتفاسيره الكتابية تمثل حوالي نصف التفسير الكتابي الانطاكي الذي كتب باللغة اليونانية، وما يقارب الـ 40% من كل التفسير الانطاكي. نفي عدة مرات حتى وافته المنية في منفاه الاخير قرب البحر الاسود 14/9/407. للمزيد راجع كتاب الأب منصور المخلّصي، مدرسة أنطاكيا، بغداد 2007، ص 100-131.

6 ولد بتاريخ 19/7/1759 كورسك في روسيا، وتوفي 2/1/1833 في مدينة ساروف، بحسب الكنيسة الشرقية الارثوذكسية يعتبر من أعظم قديسي القرن التاسع عشر، عرف بنقله التعاليم الرهبانية في التأمّل الباطني والتبصّر ونكران الذات الى العلمانيين، وعلّم بأن هدف الحياة المسيحية هو اقتناء الروح القدس. اعلن قديساً سنة 1903. لشخصيته طابع مسكوني حيث يذكره البابا يوحنا بولس الثاني قديساً في احد كتبه. إن كل ما نعلمه عن هذا القديس يعود الى ما كتبه نيكولاس موتوفيلوف أحد أبناءه الروحيين.

7 ولد في قرية شيرنافسك 1815، في أوكرانيا الحالية، تلقى تعليمه في عدة مدارس كهنوتية، ونال الدرجات الرهبانية بينما كان يدرس سنة 1841، واصبح بعد ذلك معلماً في مدرسة اللاهوت بكييف حتى وصل الى التدريس في الاكاديمية في بطرسبرغ، سافر الى اورشليم والقسطنطينية كسفير للكنيسة الارثوذكسية الروسية. سنة 1859 عيّن اسقفاً على تامبوف وبعدها على فلاديمير. سنة 1866 خصص نفسه للقراءة والتأليف في احد الأديرة، وفي سنة 1872 قرر الاعتزال التام عن الحياة . توفي سنة 1894 بعد مرض الم به. عرف كمؤلف للعديد من الأعمال الأدبية خاصاً في احقل الحياة الروحية، وكان له الدور الأكبر في نقل كتاب الفيلوكاليا الى اللغة الروسية. اعلن قديساً في الكنيسة الروسية الارثوذكسية المحليّة سنة 1988.

8 ولد في قرطاجة (تونس) سنة 210، وبعد 3 سنوات من اعتناقه المسيحية اختير اسقفاً لمدينته، بقي يعيش في الخفية نتيجة لاضطهادات فاليريانو، وبعد ان علم بانه حكم عليه بالموت عاد الى مدينته لكي يقدم شهادة للشعب المؤمن هناك، فاعدم وكان ذلك سنة 258.

9 ولد سنة 347 في تريدوني (كرواتيا)، في عائلة مسيحية التي ارسلته للدراسة والتعلم فاكمل دراسته في روما حيث نال العماذ سنة 366 وعاش ايمانه بين جماعة شديدة الحماس، وعزم بعدها الذهاب الى الشرق فوصل الى جنوب حلب وعاش هناك الزهد الرهباني وحسّن لغته اليونانية وتعلّم العبرية. سنة 382 عاد الى روما واصبح معاونا للبابا داماسو وبدأت شهرته من خلال اعماله الادبية وخاصة لأن الكتاب المقدس كان مركز حياته فلقد قام بترجمته من اللغات الاصلية الى اللغة اللاتينية والتي تعد من الترجمات الاولى للكتاب المقدس والمعروفة بالـ”فولجاتا”. وبعد وفاة البابا عاد الى الشرق مجدداً ولكن هذه المرة الى مصر أرض الرهبان والمتوحّدين، ومنها ذهب الى الاراضي المقدّسة حيث بقي حتى وفاته في قلايته بقرب مغارة بيت لحم بتاريخ 30/9/419 (420).

10 القديس ايلاريون من غزّة، ولد من عائلة وثنيّة حوالي سنة 291 في طابتا في فلسطين، ارسل الى الاسكندرية لأكمال دراسته حيث اعتنق المسيحية والتحق بعد ذلك بالقديس الأنبا انطونيوس الكبير. زار بلده الأم على اثر وفاة والديه فقسم الميراث على اخوته وعلى الفقراء وترك المنطقة لينعزل في ميومة تماما في حياة الصلاة والعمل اليدوي ودراسة الكتب المقدّسة، وبالرغم من صعوبة الحياة آنذاك فلقد عاش 80 عاما. توفي في بافو سنة 372، ونتقلت رفاته الى دير ميومة من قبل تلميذه ايوسيبيو.

11 أثناسيوس اسقف الاسكندرية ومصر، (295 – 373) من كبار المدافعين عن الوهية المسيح ضد الآريوسيين، تلك العقيد التي ثبتت في مجمع نيقية 325، ولهذ نجده قد ذاق العديد من الاضطهادات ونفي 5 مرات. اشتهر بكتابته سيرة حياة الانبا أنطونيوس الكبير وتقديمه مثال الحياة الرهبانية للغرب.

12 وهي اخت كل من القديسين باسيليوس الكبير وغريغوريوس النيصّي، هي راهبة عرفت بحبّها للكتاب المقدّس لذلك انعزلت عن العالم وانطلقت الى عالم العزلة لتصبح مثالاً بحبها لله وباستغنائها عن العالم الفاني، دعيت أيضاً بماكرينا اليافعة لأنها كانت تحمل اسم جدّتها القديسة ماكرينا الكبيرة، توفيت حوالي سنة 380.

13 اسقف قيصرية قبدوقيا (335 – 395)، كان على العكس من أخيه باسيليوس اذ بدأ حياته مختاراً دراسة الفلسفة والبلاغة، لكن عندما انتخب اخيه باسيليوس اسقفا على قيصرية طلب منه ان يصير هو وصديقه غريغوريوس النـزيانزي أساقفة على نيصّة وساسيما. وكأسف عانى غريغويوس العديد من المحن بسبب الآريوسيين إذ نفاه الامبراطور أريانو فالينتي سنة 367، لكنه اعيد الى منصبه بعد كشف دجل المناوئين له. لقّبه آباء مجمع القسطنطينة الأول 381 بدعامة الايمان المستقيم.

14 ولد في أنطاكيا حوالي عام 393، كرس لله منذ صغره. أصبح اسقفا على قورش في سوريا، ويعد آخر أعظم لاهوتي من المدرسة الأنطاكية، وهو أحد أكبر اصدقاء نسطوريوس وخصم كبير لقيرلس الاسكندري. كتب العديد من الاعمال التفسيريّة والعقائديّة والتاريخية… الخ. توفي حوالي سنة 457.  للمزيد راجع كتاب الأب منصور المخلّصي، مدرسة أنطاكيا، بغداد 2007، ص 181 – 221.

15 الأنبا ايوتيميو، ولد سنة 377 في ميليتيني في أرمينيا، وتوفي بتاريخ 2/1/473، كرس لله منذ صغره، وانتقل للعيش في اورشليم، ومات بعد سنين طوال عرف خلالها بتواضعه ومحبته ومحافظته التامّة على الانظمة الرهبانيّة.

16 ثيودوسيوس الناسك (423 – 529) عاش في اليهودية ويعتبر صديقاً للقديس سابا، جمع اليه العديد من الرهبان بعد حياة عزلة طويلة قضاها، وهكذا مارس الحياة الرهبانية الجماعية في الأديرة التي اسسها بنفسه، مات بعد أن حارب طويلاً من أجل الايمان القويم.

17 ميلانيا الشابّة: كانت لهذه القديسة رغبة عميقة في الحياة الرهبانيّة لكنها اجبرت على الزاج من ابن عمها بنيانو وهي بنت 14 عاما، وبعد وفاة ابنيها مارست حياة توبة وعفة، وبعد فترة تركت روما ورحلت مع زوجها حتى وصلت الأراضي المقدّسة حيث دخلت الى الدير وانتمى زوجها الى جماعة رهبانية هناك، وزعوا اموالها على الفقراء وعاشت حياة تعبق بالقداسة توفي زوجها سنة 432، أمّا هي ففارقت الحياة بميتة فاضلة  سنة 440، عرفت قديسة في الشرق لمدة طويلة قبل ان يسمع الغرب بها حوالي القرن التاسع، وأعلنت قديسة سنة 1908.

18 ولد لعائلة من أصول أنطاكية بين (925 – 930)، تعلم في القسطنطينية حيث تعرف على الانبا ميخائيل ميلينوس رئيس دير كيميناس، فترهّب لديه وحوّل اسمه من أبراميوس الى أثناسيوس، في سنة 959 هرب من الدير كي لا ينتخب رئيسا للدير، فذهب الى جبل آثوس حيث كان هناك العديد من النسّاك، وهناك تعرّف عليه حفيد الانبا ميخائيل الذي أصبح بعد حين امبراطوراً على بيزنطة فاغدق عليه بالكثير من المنح منها بناء الدير الكبير على الجبل باسم العذراء، وشيئاً فشيئاً اخذ الدير وما حوله سلطة خاصة عن الامبراطورية وحتى عن بطريرك القسطنطينية. وفي هذه الاثناء انشغل القديس اثناسيوس بصاغة قوانين الحياة الرهبانية على انها قوانين ديرية نسكية. وتعزى الى القديس العديد من الشفاءات والاعاجيب، توفي بتاريخ السابع من تموز في احدى السنوات بين 1001 و 1004.

19 من اليونانيّة (h`suci,a) وتعني السكون والصمت، وهي تقليد نسكي للصلاة والتأمّل في الكنائس الشرقية الارثذوكسية والبزنطية الشرقية، وفكرتها مستلهمة من (مت 6: 5-6) اذ تدعو الى الرجوع الى الذات والدخول بذلك الجو الصامت والمقفل لاختبار معرفة الله من خلال الصلاة.

20 (con+templum= contemplatio) من اللاتينية، وتعني تأمّل العيون أو تأمّل العقل، وهو فعل تفحّص أو مراقبه الفضاء أو السماء أو تمثال أو شخص ما، وهو بالتعبير المسيحي فعل التأمّل الروحي العميق المرتكز على النظر الى الاسرار الالهية ومحاولة التفكر بها، ويختلف هذا التأمّل (Contempaltion) عن التأمّل (Meditation) الوارد ذكره اعلاه 1: 7.

21 Tomáš Špidlík, La Preghiera secondo la tradizione dell’Oriente cristiano, P. 159-252, 2002 Lipa Slr, Roma.

(الجزء الأول)

مقدمة عامّة2

ان للدعوة الرهبانيّة جذورها الموغلة في القدم والتي تمتد إلى خلق الانسان على صورة الله ومثاله، لكن بالخطيئة قد تغيّرت شاكلة تحقيق هذه الدعوة، فلذا يجب أن نبتعد عنها ونتطهر ونتجدد لنعود من جديد إلى تعلّم عيش الحياة الحقيقية. إن نعمة الروح المعاشة هي هذه الحياة والتي بدورها تغيّر العالم من عالم الموت إلى عالم الحياة، ومن جسد الموت إلى جسد المجد، كما تحوّلنا بحق من حياة العزلة والانقطاع إلى حياة المشاركة الجماعيّة، فالراهب هو “عزلة” و “مشاركة” في نفس الوقت، هو موت وشهادة للحياة، هو بحق تجسيد لمسكونية الخلاص.

إن التاريخ يحدّثنا عن رجال ونساء من المشرق، عاشوا تحدّي الايمان هذا وتركوا لنا شهادة جهودهم وانتصاراتهم على الخطيئة كما وخيباتهم ايضاً. لكننا في مطالعتنا لحيواتهم ودراستنا لها لن نتجلى، فالتجلّي ليس عملاً سهلاً ينبع من مراقبة كل ما يفعله الاخرون، لكنه يفترض منّا جواباً شخصياً للنعمة. مع ذلك ففي شراكة القديسين يمكننا أن نكون واثقين بان كل ما عاشه الآخرين، بما أنه عِيشَ داخل الكنيسة، فيمكنه ان يمس بشكل أو بآخر أي عضو منها.

لقد لعب الرهبان دوراً واسع الأهميّة في استيعاب وفهم الحياة الروحية في المشرق فمنذ البدايات الاولى كانت الحياة الرهبانيّة صورة الحياة المسيحية الاصيلة….. وهنا علينا الاشارة إلى ملاحظتين اساسيتين فمن الاهمية بمكان أن نتذكر أن في جميع الحقب كان الرهبان أنفسهم الممثلين الرئيسين للحركات القائمة بداخل الكنيسة، أضف إلى ذلك انه من بين اولئك الرهبان نجد افضل المؤلفين لتلك الكتب الروحية التي لم تخفت اهمّيتها على مرّ العصور. لذلك ليس فقط مستيحلاً وإنما غير منطقي التحدث عن الروحانية المسيحية دون الاشارة إلى تلك الشخصيات الرهبانيّة الفذّة.

أما الملاحظة الثانية التي نضيفها ههنا فهي ان في حقبتنا هذه نجد ان الجمعيات الرهبانيّة تبذل جهداً جبّاراً في البحث عن نمط حياة رهبانيّة يتماشى مع حاجات الوقت الراهن، لذا فان هذه الدراسة هي دراسة الحياة الرهبانيّة كما هي بحد ذاتها كمبدأ فهي تطرح من خلال التقليد العناصر الاساسية اللامتغيّرة التي لا تتعلق بالظروف الزمكانيّة، وإلا لكانت تعتبر دراسة التغيّرات الحاصلة في نمط الحياة الرهبانيّة عبر العصور والتي ليست غرضنا في هذه الدراسة.

ولكثرة عظمة كنوز الحياة الرهبانيّة وجدنا أنفسنا مرغمين على اقتطاف بعض من اللآلئ الأبهظ ثمناً التي قدمتها لنا الحياة الرهبانيّة في المشرق لتكريم ثوب عروس المسيح “الكنيسة”. وهكذا فبما أن الحياة المسيحية هي “فنّ روحي” فتبعاً لـ: بولگاكوف3 فالحالة الرهبانيّة هي “فنّ الفنون” فنّ النفس الذي يجب أن يكشف عن الجمال الروحي، لذا فان هذا العمل يستحق العناء.

أولاً: الصلاة4

1: 1- إلتزام الرسول: “صلّوا دون إنقطاع”.

لقد وجد رهبان المشرق أنفسهم ملزمين بالعيش والتشبّع بالتطبيقات المتنوعة لمفهوم المداومة على الصلاة دون توقّف. فهم لم يشكّوا مطلقاً بأن الصلاة المستمرة سواء كانت الزاماً أو لا أن تكون أمراً ممكناً، و بغض النظر عن هذا وذاك فان التفاسير المعطاة للتعبير: “دون انقطاع” تمايزت بالنسبة لمجموعة عن أخرى. هكذا فجماعة المصلين5 اخذت في اعتبارها هذه الجملة حرفياً ورفضت أن تلحق بالصلاة قطعاً أي شيء عالمي حتى لو كان العمل الذي كان بحسبانهم يقاطع الصلاة. بعيداً عن ذلك كان الحل بالنسبة لجماعة الاجيميتيين6 بسذاجة أنهم كانوا يؤلون إلى الحاق الصلاة المستمرة لكن بشكل جماعة، فبالتالي هكذا هدف كان يحتاج على الدوام وجود جزء من الجماعة حاضراً في الكنيسة ليتلوا الصلوات الفرضية بينما يكون البعض الآخر مشغولاً بالعمل أو يأخذ قسطاً من الراحة. أما التفسير الصحيح لهذه العبارة يوجد في كتابات اوريجانوس7: “الذي يصلي دون انقطاع هو ذلك الشخص الذي يوحّد الصلاة مع الاعمال الضرورية وكذلك الاعمال إلى الصلاة”. وهكذا عقيدة ستنتشر لاحقاً وتصبح قاعدة عامّة لنجدها تباعاً في الشعار المشهور “الصلاة والعمل” (ora et labora) الذي اتخذته الجماعة الرهبانيّة البنديتينيّة.

ومن الجلي انه يمكن قلب المصطلحات كما فعل باسيليوس8. لأننا حينها أمام محكمة الله سنحاكم وفقاً لاعمالنا سواء الصالحة أو السيئة، فالواجب الأول الذي على المسيحي القيام به هو “الاستفاضة بعمل الرب” وفي هذا السياق تكون الصلاة واحدة من أهم هذه “الأعمال” (عمل الرب). من الناحية النظرية يمكن ان نعتبر السؤال بحد ذاته الجواب، فهي في مطلق الأحوال شرط فرضه باسيليوس لأن أي عمل يحتفظ بقيمته الروحيّة يجب أن يمتلك استعداداً داخلياً حسناً، هذا الاستعداد يتغذى بالصلوات المفسّرة. فلهذا السبب عندما نقوم بأعمال صالحة يجب أن يكون لدينا اهتمام بزيادة ممارسة الصلاة.

دائماً في داخل هذه الاهتمامات بصلاة مستمرة يتطلّب من الرهبان الامانة للساعات القانونية وكذلك “نظام الصلاة” الذي يضعه الأب الروحي فبعض من الرهبان كانوا يواظبون على ترنيم المزامير بينما هم يعملون، وبقدر ما كانوا يشيدون بترنيم الصلوات بقدر ما كانوا يقومون بعمل أكثر وبسرعة أكبر. فقد كانت لهم كل هذه النصائح كوسيلة تهدف إلى تمكين الراهب من امتلاك ما يسمى بـ: “وضع الصلاة”.

في حين أن في الغرب فإن الكتّاب المعاصرون يفضّلون استخدام المصطلح “أوضاع صوفيّة” أو ” التعبّد المستفيض” والذي يدوم بعضاً من الوقت، على تعبير “وضع الصلاة”، أما في الشرق فالكلمة اليونانية الدالة على “الوضع” ستوظف بمعنى أوسع مما يمكن الاشارة اليه ببضعة كلمات، لكن كاسيانو9 يشرحه لنا كالآتي: هي حالة النفس الثابتة في الله بفضل الذكر الراسخ له. فحالة الصلاة هي ميل مألوف وطبيعي والتي بشكل أو بآخر تستحق أن نسميّها الصلاة لذاتها بعيداً عن الأفعال التي تنتج عنها بصورة متواترة. هي صلاة ضمنية جاهزة على الدوام لكي تتحول إلى صلاة علنيّة، هي “حالة القلب” و “حالة الكمال”.

1: 2- المزامير:

من الطبيعي أن الرهبان كانوا ملزمين بترنيم المزامير بأكملها كل يوم. فنقرأ في ترجام كيرلّوس الفيلوتي، الراهب البيزنطيني من القرن الحادي عشر، الآتي: “أنه كان يستعجل في تعلّم المزامير عن ظهر قلب” وأنه كان ينصح الآخرين بذلك، “حتى لو بدأت بالعمل فإن لسانك عليه بالترنيم وعلى روحك التمعّن بالصلاة”. ويروى أن بعضاً من الرهبان حفظوا المزامير عن ظهر قلب بشكل عجائبي.

إن المزامير هي كالمرآة لأرواحنا، ففي كل لحظة يجد أي واحد منّا فيها ما يتجاوب مع مشاعر قلبه سواء كان شابّاً أو يافعاً، ناسكاً كان أو رجل كنيسة، ولأولئك الذين يبحثون عن السعادة أو عن الحزن بحسب قلب الله.

“إن ترنيم المزامير هو عمل القوى اللاجسديّة”، ففكرة ان الرهبان بترنيم المزامير يتشبّهون بالارواح السماوية نجدها واضحة أو بصورة ضمنية في العديد من الآثار القديمة للآداب الرهبانيّة. “إن المزمور يطرد الشياطين… ويعطينا الأسلحة لمقاومة شرور الليل”. في كتاب المرج الروحي يحدّثنا المؤلف جوفاني موسكو10 عن الأنبا مارسيلّو الذي كان قد رأى جيشاً من الشياطين آتياً لمحاربته عندما كان يرنم المزامير. وهنالك العديد من الروايات التي تحدثنا كيف ان الشيطان يحاول بشتى الطرق منع هذا النوع من الصلاة، وبما انها فرض ملائكي فترنيم المزامير يطهّر الجسد: “يقاوم العواطف ويهدئ روع نزعات وشهوات الجسد”.

وبما انّ المزامير هي قوانين ضد الشياطين، ولأن الرهبان يحفظون نصوص المزامير عن ظهر قلب، فالوقت المناسب لترنيمها هو الليل، يقول باسيليوس: “لقد اعطيت لنا الشمس لفرض النهار، أمّا ترنيم المزامير فتساعدنا على الا نخسر دون جدوى النصف المتبقي من حياتنا في كسل النعاس”.

لقد تطوّر مفهوم الساعات القانونية للصلاة في الحياة النسكية بسرعة فائقة، وكان حضور هذا الصوات الزاما، فبحسب قوانين باخوميوس11 فالضيوف الذين كانوا يأتون في هذه الأوقات كان عليهم الدخول إلى الكنيسة للصلاة مع الرهبان، أمّا باسيليوس فقد سمح ولأسباب جداً خطيرة فيما لو تعذّر على أحد الرهبان الحضور إلى هذه الصلوات، وفي هذه الحالة يتوجب عليه بشكل من الاشكال أن يتّحد روحيّا بالصلاة مع جماعته.

لكن يجب أن نلاحظ أن هنالك في ترنيم المزامير بعضاً من عدم التلآئم “فيشير ايفاغريوس12 ان ترنيم المزامير ينتمي إلى الحكمة متعددة الاشكال، في حين ان الصلاة هي دَوزَنة للمعرفة الروحية الموحّدة غير الماديّة”. هنا علينا قراءة كاسيانو الذي يشير بشكل بديع إلى هذا النوع من الخبرة: “لا تقوم النفس الا بالعبور من هذا المزمور إلى ذلك الآخر، وتقفز من هذا النص الانجيلي إلى رسائل الرسول بولس، من هنا تتهاوى على الانبياء ومن هناك تلتفت إلى التاريخ المقدس وبدون توقّف أو تشرّد، تتأرجح ذات اليمين وذات الشمال في مجمل جسد الكتب المقدّسة غير قادرة على الحيادة عن واحدة منها أو القدرة على اختيار أي شيء على مرامها، أن تفهم أو أن تستنزف شيئاً ما، فهي لا تقوم الا بلمس وتذوّق الحس الروحي دون التحوّل إلى متخصصة بارعة فيها أو تقيم نفسها سيدة عليها”.

هكذا اذن، فبحسب شهادة نفس الكاتب ففي أدير مصر فإن عدد المزامير الواجب تلاوتها لم يكن محدداً فكل واحد كان عليه أن يجد: “المقياس المعقول” الذي يناسبه شخصيّاً وذلك تبعاً لارشاد معين أو تحت تعليمات أحد المعلمين الروحيين.

1: 3- الليتورجيا:

        إن التقوى الرهبانيّة والحياة الليتورجية كانتا على الدوام متّحدتان، فالليتورجيا تأخذ قسطاً مركزيّاً من حياة الرهبان على الاقل لسببين رئيسيّين هما: أولاً ان الحياة الرهبانيّة هي حياة صلاة، فهذه الصلاة يجب أن تكون بشكل أساسي صلاة كنسيّة، وثانياً للانفصال عن العالم. وفيما يخص الاشارات التي تتناول موضوع الحياة الليتورجية فهنا يشرح لنا لماذا هي هكذا وجيزة للغاية كما وأنها عامّة في الوثائق المسيحيّة الاولى، فمن هذه الناحية يطيب لنا الاجابة قائلين بأن الرهبان كانوا يريدون ببساطة المحافظة على تقاليد الكنيسة التي ارتأت منذ الأزمنة الأولى ان تصلّي في أوقات محدّدة وبشكل خاص في بداية النهار وخاتمته. ومن ثم في العصور اللاحقة تبعوا التوجيهات الليتورجية للكنائس المحلّيّة التي طوّرت فرض الصلاة بحسب حاجاتها.

لكن وبسرعة حصل وان الاديرة امتلكت (سواء من ناحيّة الجودة أو من ناحيّة الكمّيّة) العديد من الطرق للمساهمة في إيصال الطقوس إلى حدٍ ما من الكمال، وبهذا ساهمت الأديرة بشكل بارز للعيان بتشكيل الطقوس الشرقية، فالاحتفالات الطقسية كانت تدوم لساعات طوال والاساقفة كانوا مختارين من بين الرهبان، فلهذا هم قادمون من الاديرة، لذلك فقد طرحوا “الليتورجيا الرهبانيّة” في حياة الابرشيات. وهكذا وبمرور الايام تبنى حتى الاكليروس العلماني الالحان والتقاليد الديرية في اداء الصلوات الطقسية. لذا يصحّ القول بأن الطقوس الشرقية مثل هذه قد وحّدت ميزات رهبانية خالصة في طقوسها.

إن الهيأة الاسرارية للطقس تتناول الرموز المرئية للجودة التي تحوزها الكنيسة لكي تكون بذلك جسد المسيح. فالمؤمن يكون غاطساً في سرٍ كامل لأن عبر عناصر هذا العالم يتجلى له العالم الجديد للقيامة في المسيح. كلمات وحركات، صور وأصوات، أشخاص وأشياء، هم سواء كما نجدهم في حياتنا اليومية لكنهم مملوؤن بمسحة الروح القدس الذي يخلق الانسان الجديد ويجدد كل شيء.

        إن كلا الشكلين التأمّلي والاسراري للطقس قد بصما بصورة قويّة التقوى الرهبانيّة عبر العصور. فاذا كانت جماعة الايسيكاستيين13 يمتنعون بعض الاحيان من المشاركة في الاحتفالات الطقسية الجماعيّة، فهذا كان للتذكير بأن هدف أي ليتورجيا هو أن تقود إلى ليتورجيا القلب، وذلك بحسب تعبير غريغوريوس السينائي14: “القلب المتحرر من الافكار والذي يحركه الروح هو معبد حقيقي حتى قبيل الحياة المستقبلية”.

        فكتاب الفيلوكاليا15 يصطبغ بمجمله بهذه الحركة التي تنطلق من الليتورجيا المرئية لتصل إلى التأمل الصوفي، فالنصوص والحركات والألحان تفهم كأنها تحضير لليتورجيا السماويّة، لذا فهو تجاوب عميق لليتورجيا الجماعيّة والخبرة الداخلية للقديسين.

تأليف: توماس شبِدْلِكْ / ترجمة: الأنبا سامر صوريشو يوحنا الراهب

الهوامش:

1 تأليف: توماس شبِدْلِكْ، و مؤلفان مساعدان هما: ميكيلينا تيناچي وريچارد كيموس، والكتاب هو من منشورات دار ليپا بالتعاون مع مركز أليتّي التابع للمعهد الشرقي الحبري. نشرت الطبعة الاولى للكتاب باللغة الفرنسية في روما سنة 1999، أما الطبعة الاولى من الكتاب المترجمة إلى اللغة الايطالية والواقعة في 360 ص -والتي منه تأتي الترجمة العربية- فنشرت في روما سنة 2007 قامت بها الاستاذة ماريّا كامپاتيلّي. توماس شبِدْلِكْ (الأب الكاردينال): ولد في بوسكوفتچ من أعمال مورافيا (الچيك) سنة 1919، أنهى دراساته في الفلسفة واللاهوت في العديد من الجامعات الاوروبية، ومنذ عام 1954 بدأ بتدريس اللاهوت والروحانيات والآباء والشرقيات في جامعة الغريغوريانا وفي العديد من الجامعات والمعاهد الحبرية، عمل كمرشد روحي في معهد “نيپوموچينو” الحبري في روما  لمدة ثلاثين عاماً، يعيش ويعمل في مركز أليتّي التابع للمعهد الشرقي الحبري، له العديد من الدراسات والطروحات العلمية والمهمة وخاصة في مجال اللاهوت الروحاني المشرقي.

2 هذه المقدمة هي عبارة عن مقتطفات من تقديم الكتاب ومقدمته اخترناها لتزيين مستهل هذه الحلقات. إن هذا الكتاب هو دراسة علمية معاصرة اعتمدت بالاساس على عدة مصادر ودراسات اوروبية حديثة وكذلك على كمٍّ هائل من الوثائق والمصادر باللغات القديمة، فهذا البحث لايخلو فيه سطر من هامش أو تعليق أو إشارة الى المصادر، لذا فقد ارتأينا عدم ذكر تلك الهوامش لكثرتها وللارباك الحاصل من جراء وضعها، وننصح الباحث المختص بالرجوع اما الى طبعة الكتاب بالفرنسية أو الايطالية المشار اليهما للاستفادة من المصادر. أما بقية الهوامش المدرجة في المقال فهي عبارة عن ايضاحات للتعابير والمفاهيم الغامضة والشخصيات الوارد ذكرها في النص، وهي من وضع المترجم، اعتمد في اغلبها على الموسوعات الالكترونية وبخاصة موسوعة ويكيبيديا باللغتين الانجليزية والايطالية.

3 الأب سيرجي نيكولافيتش بولگاكوف: ولد في ليفني 28/6/1871 – وتوفي في باريس 12/7/1944، لاهوتي اثوذوكسي روسي ويعتبر فيلسوفاً وعالم اقتصاد. ولد في عائلة ارثوذكسية من أب كاهن، درس في كلية الحقوق بجامعة موسكو حيث درس باجتهاد أيضاً علم الاقتصاد السياسي. اعجب بالماركسية فدرسها والتحق بحركتها، ومن بعد لقائه بليو تولوستوي عاد الى رشده الايماني واصبح من مناهضي الماركسية، فكتب العديد من الاعمال الفكرية المثالية والف اهم الاعمال اللاهوتية الارثوذكسية المعاصرة، سيم كاهنا عام 1918، ودرّس اللاهوت العقائدي والقانون في براغ، وساعد في تأسيس معهد القديس سيرجيوس اللاهوتي في باريس الذي كان فيه مديرا واستاذا للاهوت العقائدي حتى وفاته، وآخر عمل له كان في سفر الرؤيا.

4 في هذه الحلقات سيكون الفصلان الخامس والسادس موضوع اهتمامنا، إذ بذلك نكون قد غطينا موضوع شعار رهبنتنا “بالصلاة والعمل نبشّر” التي تحتفل في هذه السنة بالذكرى الـ(200) للتأسيسها. علماً أن هذا الكتاب يتكون من سبعة فصول والتي تقسّم بدورها الى مفاصل عدة، اذ يتناول المؤلف في الفصل الاول من الكتاب نبذة عن تاريخ الحياة الرهبانية في المشرق وبعض المقارنات التاريخية، وفي الفصل الثاني يأتي الى موضوع الرهبان كرجال الله، وفي الفصل الثالث يتطرق الى المشورات الانجيلية باسهاب وتفصيل، وفصله الرابع هو مخصص للحياة النسكية ومبادئها وممارساتها ومبدأ هجر العالم، أما الفصل الخامس فيتناول ركن الصلاة واهميتها في الحياة الرهبانية، ومن ثم الفصل السادس الذي ينقسم بدوره الى مفصلين مهمّين الأول العمل الرهباني والثاني رسالة الرهبان، أما الفصل الاخير من الكتاب فيتحدث عن اشكال الحياة الرهبانية.

5 هي حركة رهبانية تعود الى القرن الرابع في بلاد ما بين النهرين أسسها اديلفيو الذي كان يؤكد على ان تبعا للخطيئة الاصلية لآدم فان جميع البشر امتلكوا شرا ملازما للنفس والذي لايمكن هزيمته من خلال اسرار الكنيسة (إذ كانوا ينكرون اسرار الكنيسة) لكن فقط من خلال الصلاة المستمرة التي تقدر على محو اي عاطفة أو رغبة. لكن كتابهم المرجعي تم حضره في العديد من المجامع الكنسية سواء الارثوذكسية أو النسطورية. هذه الجماعة لم تكن تعمل بتاتا وكانت معيشتهم تعتمد على الصدقة، اشتهروا بصلواتهم الطويلة والرقصات المرافقة لها.

6 الأجيميتيين: من اليونانية وتعني اولئك الذين لا ينامون، وهم رهبان بيزنطينيون يتبعون جماعة اسسها القديس اليسّاندرو الأجيميتي في بدايات القرن الخامس، الذين اتخذوا في البداية خليج البوسفور موقعا لهم ومن ثم انتقلوا الى بيزنطية، ومن الاسم يستدل على نمط حياتهم، اذ كانوا ينقسمون الى مجاميع تتوالى على ترنيم المزامير بصورة متواصلة ليل نهار. ولأن الامبراطور جوستينيانو لم يكن راغباً بهم فقد اتهموا بالنسطرة وحوكموا من البابا يوحنا الثاني سنة 534 ولا نجد لهم اي أثر في حوالي نهايه القرن السادس.

7 أوريجانوس (185- 254): كان من ابرز اوائل آباء الكنيسة المسيحية. ويعتقد ان يكون قد ولد في الاسكندرية وتوفي في قيصرية 254. كتاباته هامة بوصفها واحدة من أولى المحاولات الفكرية لوصف المسيحية. كان أبويه مسيحيين ومن الأتقياء، وكان ذو عقلية فذّه وصار نابغة في العلم رغم حداثة سنه. وأشتهر أيضاً بمساندته وتشجيعه للمؤمنين الذين يتعرضون للأضطهاد وكان يقويهم في الإيمان حتى يستشهدوا. ووصل إلى أن يكون مديرا لمدرسة الإسكندرية المسيحية وهو في سن الثامنة عشرة بعد أن عينه البابا ديميتريوس الأول البطريرك الـ 12 رئيسا لمدرسة الأسكندرية اللاهوتية خلفا لأكليمنضس الأسكندري. كان نَشِطاً في تفسير الكتاب المقدس والدراسات الإنجيلية المُقارنة. وقد كتب أكثر من 6000 تفسيراً للكتاب المقدس، بالإضافة إلى كتاب الـ”هيكسابلا” الشهير.

8 باسيليوس الكبير: ولد مابين 329 و333- توفي 1ك2 سنة 379، اسقف قيصرية في قبدوقية وهو اللاهوتي الاكثر تأثيرا ودلالة في القرن الرابع، وكان لقدرته على الموازنة بين المبادئ اللاهوتية والعلاقات السياسية الاثر البالغ في جعله مدافعاً مشهورا لموقف المجمع النيقاوي. وفضلاً عن العمل اللاهوتي الكبير، كان باسيلوس معروفا باهتمامه بالفقراء والمهمشين فهو يعتبر قديسا لكل من التقليدين الكنسيين الشرقي و الغربي على السواء. ويشكّل باسيليوس مع غريغوريوس النازيانزي واخيه غريغوريوس النيصّي مجموعة الآباء القبدوقيين او المدافعين، واعطته الكنيسة الشرقية الارثوذكسية والكاثوليكية لقب الكاهن المبجل، فيما اطلقت عليه الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لقب معلم الكنيسة. ويشار اليه ايضاً باسم “كاشف الاسرار السماوية”. وكان لباسيليوس الدور الواسع في تاسيس الخطوط العريضة للحياة الرهبانية مركزا على نمط الحياة الجماعية والصلاة الطقسية والعمل اليدوي، وفي المسيحية المشرقية يعرف مع القديس باخوميوس بأب الرهبانية الجماعية الديرية.

9 كاسيانو الراهب أو المعروف بالناسك: (360- 435) كاتب يوناني – روماني ولد فيما يعرف الآن بدولة رومانيا، اهتماماته الاساسية ككاتب هي الحياة النسكية والرهبانية. وبالرغم من انه تعلم ضمن حدود الامبراطورية الشرقية على يد العديد من اباء الصحراء الا ان اول عمل معتبر له صدر في بلاد الغال. لقد كان مناصرا للاهوت اوريجانوس، وعاش في القسطنطينية حتى بعد رفض تعاليم اوريجانوس، وهناك عمل مع القديس يوحنا الانطاكي قبيل ان ينطلق الى مرسيليا حيث اسس هنالك ديرين اثنين. كتب العديد من الكتب في الحياة الرهبانية تهدف الى تقديم الحياة الديرية وشرحها اكثر من كونها كتب زهدية، وحاول من خلالها شرح كيف ان فضائل الراهب المنعزل ممكن ان تكون فضائل جماعية.  

10 يوحنا موسكو: (540/550 – 619/643) راهب بيزنطيني مؤلف لنصوص سير حياة القديسين، كتب ترجمة حياة يوحنا أليمون، وكذلك ألّف كتاب المرج الروحي، والذي يعتبر مجموعة من الحكايات والنوادر والأقوال لرهبان الصحراء، والذي كان له الانتشار الواسع في عصر النهضة.

11 القديس باخوميوس: (292-15/5/348) راهب مصري، عسكري سابق، يعتبر مؤسس الحياة الديرية الجماعية، ويعتبر قديسا في العديد من الكنائس منها الكاثوليكية والتي تحتفل بذكراه 9 آيار، والارثوذوكسية والقبطية اللتان تحتفلان بذكراه 15 آيار. سنّ أقدم القوانين الخاصة بالحياة الرهبانية الجماعية والتي نجدها لحد اليوم، ويعتبر مؤسس أول دير رهباني حوالي سنة 320، وفي القرن الرابع كتبت عنه سيرة حياة رهبانية سمّيت “سيرة حياة باخوميوس”.

12 ايفاغريوس البنطي: (345- 399): راهب وناسك من اشهر شخصيات الكنيسة في نهاية القرن الرابع عرف بالمفكر الحذق والمتكلم اللامع والكاتب الموهوب. خلال خدمته كان معروف كصديق موثوق للعديد من رؤساء الكنيسة المعاصرين له والمؤثرين مثل غريغوريوس النازيانزي والنيصّي ومقاريوس المصري وثيوفيلوس الاسكندري ونيكتاريوس القسطنطيني. ولد في عائلة مسيحية في قرية صغيرة تدعى ايبورا من اعمال المقاطعة الرومانية بونتوس، سيم شماسا ورئيس شمامسة على يد باسيليوس في القسطنطينية. عندما دعا الامبرطور ثيودوسيوس الأول الى المجمع المسكوني الثاني 381 وقف ايفاغريوس الى جانب غريغوريوس ولعب دورا مهماً في الحرب الناجحة ضد الآريوسية. بعدما قاده الغرور والعواطف الى العديد من التجارب منها الافتنان بامراة متزوجة لكن قبل حدوث اي شيء بينهما اتته رؤيا مما جعله يهرب الى اورشليم، ومكث هناك قليلا من الوقت في احد الاديرة لكنه لم يستطع نسيان مجده الواهي فسقط مريضاً لكنه لم يشف حتى وصل الى صحراء مصر حيث مكث اكثر من 14 عاما هناك متابعا دروسه على يد كل من مقاريوس العظيم ومقاريوس الاسكندري.

13 جماعات رهبانية تواجدت في المشرق بالعموم وبين رهبان  جبل آثوس خصوصاً كان لهم كمبدأ حياة مفهوم السكينة الروحية والتأمل الروحي الذي يدعونا الى تشبيهه بالعالم الهندي، والتي تدوم ممارستها الى فترات طويلة مصاحبة بترديد عبارات  وجمل معينة مثل: “أيها الرب يسوع المسيح، إرحمنا”.

14 اصله من اسيا الصغرى عاش في حوالي النصف الاول من القرن الرابع عشر تجول كثيرا ومن جبل سيناء اخذ لقبه، وصل الى جبل آثوس في أثينا واعلن البشرى السارة وجمع له جملة تلاميذ رهبان معلما اياهم الحفاظ على صلاة الفكر، وفي زمن لاحق اصبح اسقفا للقسطنطينية، له خمس مقالات في كتاب الفيلوكاليا، ان تعاليمه الروحية وحياته النسكية كانت مثالا هيمن على شكل الحياة الرهبانية في القرن الرابع عشر، وكان لكتاباته الاثر البالغ في انتشار الصلاة القلبية في الشرق.

15 حرفيا: حب الجمال، وهو مجموعة من النصوص الروحية الرهبانية والنسكية للكنيسة الارثوذكسية طبعها في كتاب كل من نيقوديمو من جبل آثوس ومقاريو القورنثي باللغة اليونانية في مدينة البندقية سنة 1782.