المقدمة

منذ النصف الأول من الثمانينات أثبتت دراسات بحثيّة عن العائلة وديناميكيات وجودها وتواصلها الإجتماعي، من خلال الإنتقال من “النموذج التنظيمي” إلى “النموذج التفسيري”.

إن الغاية والمعنى من هذا الإنتقال هو التغلب على نظريّة “التأثيرات القويّة”، أي إتخاذ وجهة نظر أكثر إعتدالاً فيما يتعلق بفرضيّة إنتشار وسائل الإعلام وقساوة تأثيرها على المشاهد، إلى جانب الإهتمام الملحوظ والمتزايد لعمليّات فك وفهم الرسائل التي تنشرها وسائل التواصل الإجتماعي، حيث أدت هذه الوسائل إلى تأثيرات قويّة في عملها الإقتصادي والإجتماعي مما أدى إلى تغيير البنيّة الإجتماعيّة بشكل عام من خلال المُنتَج المقدم للمشاهد (المتلقي) لهذه الوسائل.

تمت دراسة هذا الأخير (المتلقي) مرةً كفرد لوحده، بملفه النفسي الخاص، بأذواقه، وميولاته، وخصوصياته، ثم كموضوع إجتماعي، بمكانته، والمستوى الثقافي في شبكة واحدة أو أكثر من العلاقات التي تحدد طريقته في الإتصال بوسائل الإعلام بشكل عام.

في هذا السياق، تم تحديد الانتباه إلى العائلة، بإعتبارها المجموعة المرجعيّة والرئيسة لأولئك الذين يستخدمونها والسياق “الطبيعي” لفعل الإستهلاك.

ثلاث وجهات نظر دراسية

فيما يتعلق بموضوع العلاقة بين وسائل الإعلام والعائلة، أُتبِعت ثلاث وجهات نظر بحثيّة، هي:

  • البحث الذي يعتبر العائلة “موضوعًا”  للحضور ومعياراً لإختبار مدى مصداقيّة الرسائل التي تنشرها وسائل الإعلام ومدى قدرتها على الإقناع؛
  • البحث الذي يتعامل مع العائلة بإعتبارها “مكانًا” للإستخدام، وبيئة ماديّة وعلائقيّة تستضيف الإستهلاك؛
  • البحث الذي يتعامل مع العائلة بإعتبارها “موضوعًا” للإستهلاك ومحطة مميزة ومستخدمًا نشطًا لمنتجات الوسائط1.

العائلة كـ “موضوع” للحضور

الموضوع الأول من البحث هو الذي يحافظ على أقرب الروابط مع النموذج التنظيمي، هو الجوهر الرئيس للتفكير وهو تحليل التأثيرات التي تمارسها حضور وسائل الإعلام (خاصةً تلك االتي تهم العائلة) 2.

الفكرة الأساسية من هذا البحث هي أن وسائل الإعلام تدخل في علاقة مع العائلة من خلال حضورها وأن هذه الأخيرة معرضة لتأثير هذه الوسائل وهي متاحة دائماً لإكتساب نماذج الحياة والسلوك التي تقترحها هذه الوسائل.

في هذا السياق، تصبح المشكلة المركزيّة هي تحديد درجة التطابق بين الواقع وحضور العائلة التي تنتجها وتنشرها وسائل التواصل الإجتماعي.

إن الرأي العام في هذا البحث هو أن وسائل الإعلام تكرر إعطاء صورة مشوهة عن العائلة3. من ناحية، يتطلب هنا توحيد إجراءات الإنتاج الإعلامي وتبسيط ديناميكيات العائلة وتقليل تنوع التشابك الذي يتطور بين مكونات النواة إلى عدد محدود من التكوينات؛ ومن ناحية أخرى، فإن الحاجة إلى تعبئة منتج ممتع يجبرنا على جعل الواقع المحلي مذهلاً، مع التركيز على نقاط التحول اللافتة للنظر ولحظات الأزمات والتمزق بدلاً من التركيز على عادة بناء الطرق اليوميّة لإدارة العلاقات4.

العائلة كـ “مكان” للانتاج

يبدأ الموضوع الثاني من البحث بإدراك الأهميّة الحاسمة للسياق في ديناميكيات الإستهلاك. إذ تعتبر العائلة، المحطة المميزة للتواصل الإجتماعي والمكان الطبيعي للإستهلاك، وهي مسؤولة عن الأشكال التي تتخذها ممارسات الإستخدام.

إن الأبحاث التي أجريت في هذا الموضوع قد حددت أربعة جوانب من البنيّة العائليّة والتي تؤثر بشكل كبير على إستهلاك وسائل الإعلام، وهي (التكوين المكاني، التنظيم الإقتصادي، القصة الشخصيّة والتنشئة الأولى، الروابط العاطفيّة والعلاقات بين أفراد الأسرة).

يؤثر الجانبان الأولان بشكل رئيس على درجة الوصول إلى وسائل التواصل الإجتماعي، أي إتساع وتنظيم المساحات العائليّة جنبًا إلى جنب مع الإمكانات الإقتصادية، أي أنهم يحددان كلاً من تواتر التواصل وكثافة إستخدام الوسائط.

من ناحية أخرى، يحدد التاريخ والثقافة والعلاقات العاطفيّة وشبكات العلاقات التي تتشابك بين المكونات الأولى المحليّة، درجة قابليّة إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي، أي أن العائلة هي مكان التلمذة التكنولوجيّة، أي (البيئة) حيث يتعلم المشاركون إستخدام الوسائط، وفي نفس الوقت هي المساحة التي يتم فيها في المقام الأول إستخدام الموارد التي يوفرها جهاز التواصل الإجتماعي (المعرفة والقيم والنماذج العلائقيّة) 5.

في هذا السياق، تأخذ العلاقة بين وسائل الإعلام والعائلة تكوينًا أكثر تعقيدًا، فالعائلة ليست موضوع حضور وسائل الإعلام فقط، ولا هي محطة إتصال سلبيّة كما يقال، ولكنها عامل نشط لممارسات المستهلك.

العائلة كـ “موضوع” المستهلك

أخيرًا، تغذي فكرة العائلة باعتبارها “موضوعًا” سلسلة من الأبحاث التي إتخذت على مر السنين أبعادًا فائقة الأهمية. المبدأ الذي يقوم عليه البحث المدرج في هذا المجال هو أن العائلة، باعتبارها شبكة معقدة من العلاقات الداخليّة (العلاقات بين أعضاء العائلة الواحدة) والخارجية (العلاقة بين العائلة والعمل، والمدرسة، والسياق المؤسساتي…)، لذا تعمل كـ “مصفاة” فيما يتعلق بالرسائل التي تنتجها وتنشرها وسائل الإعلام6.

نذكر هنا مبحثان رئيسيان في هذا السياق: المبحث الأول يحلل الروابط بين الهويّة الإجتماعيّة للعائلة (الحالة، المستوى الثقافي، درجة الصراع الداخلي …) وموقفها من المحتوى المنشور، حيث تُنشئ المساهمات الواردة في هذا السياق سلسلة من العلاقات، على سبيل المثال، بين الخلفيّة الإجتماعيّة للعائلة وإختيار بعض الوسائط أو بين حالة الصراع القائم بين مكوناته والإستخدامات المعينة لوسائل الإعلام7. يتميز المبحث الثاني بالتركيز على تعقيد العلاقات العائليّة الداخليّة ودورها في تحديد طرائق ونتائج الإستهلاك، وهذا البحث هو حديث ولا يزال لديه عدد قليل من المساهمات في العالم8، ويركز الإهتمام على الديناميكيات (الأدوار، وأشكال الإتصال، وآليات الحوار …) التي يتم تفعيلها داخل العائلة والتي تنعكس في إدارة وسائل الإعلام. لا تعتمد أساليب الإستهلاك على المظهر الإجتماعي والديموغرافي للعائلة، ولكن على التكوين العلائقي والتفاعلات التي تحدث بين أفرادها9.

يتم تكوين العلاقة بين وسائل الإعلام والعائلة كتفاعل معقد يرى العائلة منخرطة في الحوار بخصوص الوقت والإهتمام الذي يجب أن تعطيه لوسائل الإعلام وإستلام رسائلها وتحويلها إلى موارد (من المعرفة، والعلاقة) للاستثمار والإنفاق في الحياة اليومية10.

من وجهة النظريّة “التفسيريّة”، في الواقع، ينتقل الإهتمام بالكامل من تقييم التأثيرات، إلى تحليل التفاعلات التي يتم تنشيطها بين العائلة ووسائل الإعلام. في الوقت نفسه، يتم إستبدال مفهوم الإستهلاك بإعتباره النقل الخطي للمعلومات من المصدر إلى المتلقي بمفهومه الإستهلاكي كمجموعة معقدة من الممارسات التفسيريّة التي تتجاوز لحظة الإستخدام وتمتد إلى جميع الأنشطة التي تشارك فيها العائلة يوميًا.

الخاتمة

على الرغم من أن صياغة وجهات البحث الثلاث قد أتاحت حجمًا كبيرًا من البيانات، إلا أن العديد من الأسئلة لا تزال قائمة حول العلاقات بين العائلة ووسائل الإعلام، بعضها بسبب تعقيد الكائن البشري، والبعض الآخر عن الكليشيهات العديدة المتداولة حول الموضوع وكثرة الجدالات (والأكثر انتشارًا هو الاقتناع الراسخ بعدم قدرة العائلة على وقف تهور وسائل الإعلام).

إن الأوقات والأماكن التي تدخل وسائل الإعلام في الحياة المنزلية، وفعالية الاستراتيجيات “الدفاعيّة” التي تنشطها العائلة، وطرق تحويل المقترحات الإعلامية إلى موارد وإستخدامها الملموس في الروتين اليومي، تظل العلاقات بين الشبكات الاجتماعية الممتدة والشبكات العائليّة وإستخدام الوسائط كلها أسئلة مفتوحة.

إن الإهتمام بظواهر العولمة والمشاكل المعقدة المرتبطة بها (الإستعمار الثقافي، فقدان الهويّة،..) يدفع في الواقع إلى تحويل محور التفكير من العائلة إلى المجتمع، العِرق، الأمّة، مما يعزز الاتجاه الذي تم إستنكاره بالفعل في بداية توسيع وحدات التحليل والعمل تدريجياً على شرائح أجتماعية أكبر وأكثر تعقيدًا.

الأب يوسف يونو عجم الراهب

المصادر

  1. Lindlof Thomas R. (ed.), Natural audiences. Qualitative research of media uses and effects, Ablex Publishing Corporation, Norwood (NJ) 1987.
  2. Wolf Mauro, Gli effetti sociali dei media, Bompiani, Milano 1992.
  3. Casetti Francesco – Piotti Patrizia, La coppia esposta. Contenuti e modi della rappresentazione della coppia in televisione in “Famiglia Oggi”, (1990) 47, pp.60-78.
  4. Giaccardi Chiara – Eugeni Ruggero, Famiglia e mass media. Per un’etica della comunicazione mediale, Vita e Pensiero, Milano 1995.
  5. Gonzalez Gaitano Norberto, Famiglia e media. Il detto e il non detto, EDUSC, Roma 2008.
  6. Lull James, Inside family viewing. Etnographic research on television’s audiences, Routledge, London 1990.
  7. Acquaviva Sabino (ed.), Mass media, famiglia e trasformazioni sociali, Sansoni, Firenze 1980; Donati Pierpaolo, La famiglia nella società informatizzata in Id., La famiglia nella società relazionale. Nuove reti e nuove regole, Franco Angeli, Milano 1991.
  8. Casetti Francesco-Fanchi Mariagrazia – Galimberti Carlo, Comunicazione sociale, televisione, famiglia, Vita e Pensiero, Milano 1995.
  9. Mancini Paolo, Guardando il telegiornale. Per una etnografia del consumo televisivo, Nuova ERI, Torino 1991; Moores Shaun, Il consumo dei media. Un approccio etnografico, il Mulino, Bologna 1998.
  10. Silverstone Roger, Televisione e vita quotidiana, Il Mulino, Bologna 2000.

 التحديات والهيكليات والممارسات الخاصة بالاتصال الرقمي

المقدمة

لماذا نتحدث عن الكنيسة والتواصل؟ قد تبدو الإجابة شبه واضحة على الرغم من مناشدات البابا فرنسيس للكثير من الذين لا يزالون يطالبون بـ “الكنيسة المكانية”، المتكونّة من المذبح والجدران. من ناحية أخرى، نحن نعيش في مجتمع متنوع الاتصالات، لا تستطيع الكنيسة المرسلة بطبيعتها أن تبقى مشاهدة فقط.

يعتبر هذا الموضوع حافزاً للتفكير والتخطيط لمكتب الأيبارشية للتواصل الاجتماعي، ليكون مكاناً للتنسيق والتواصل والحوار. إن نشاط المكتب لا يهدف ببساطة إلى تحسين نقل المبادرات والنشاطات ومواعيد الأيبارشية فقط، لكن تفضل المشاركة المثمرة للمواد والاقتراحات والممارسات والنشاطات الجيدة بين  الجماعات الكنسية. علينا ان نعي أيضاً أن التواصل الكنسي ليس مخصص فقط للمحترفين ولكنه موجهه لجميع أولئك الذين يؤمنون أن التواصل هو جوهر الحياة، وفرصة للمشاركة الأخوية، والاستماع والصمت الإنساني.

التواصل الجديد

في العقدين الماضيين اتسم السياق التواصلي بنوع من “التحول الإعلامي”، ومن خلال عملية الرقمنة، تم توحيد ما يعرف بأنه “حالة ما بعد الوسائط”1. لكن ما هو هذه الإعلام؟ إنه أكثر من مجرد أدوات، إنه “انعكاسات بشرية”، وعندما نتحدث عن وسائل الإعلام بمعنى ما فإننا نتحدث عن أنفسنا. لذلك، بدلاً من تحديد مفهوم “الإعلام”، من الضروري فهم طبيعة الرابط الاجتماعي “بين وسائل الإعلام والإنسان”، لكي نُدرك أن “وسائل الإعلام ليست هي التي تغير الإنسان، بل الإنسان هو من يتدخل فيها، من خلال “استخدامها” باعتباره انعكاسًا للفرد لأي حالة وحاجة. وبالتالي، فإن وسائل الإعلام هي “إسقاطات بشرية”، أي مشاريع الإنسان، بمعنى أن الإنسان هو من يُسقط نفسه فيها أي يبرز نفسه فيها.

لذلك، إذا كانت “الإنسانية هي التي تُظهر نفسها في وسائل الإعلام” فيجب علينا أن نفترض “بأننا نحن وسائل الإعلام”2 وإذا كان الإنسان تواصلياً، فقد أصبحت الكنيسة وعملها الراعوي بأكمله أيضاً تواصلي.

لهذا أصبح التواصل الكنسي كـ “تأمل لاهوتي راعوي” متاح لجميع أولئك الذين يؤدون خدمة في الأيبارشية في مجال التواصل.

اليوم هناك إقتناع بأن هذا التحول التواصلي بالنسبة للكنيسة يعتمد على الحدس التفسيري لـ “الإنسانية الإعلامية” ومن خلال:

  1. الربط الصحيح “بين وسائل الإعلام والإنسان”، فقد أصبح من الممكن تفعيل خدمة راعوية حقيقية في السيناريو الرقمي.
  2. ليس من الممكن اليوم إدارة التواصل بدون مهارات إعلامية وتعليمية وبدون استراتيجيات دقيقة؛
  3. إن السياق الحالي يُلزمنا التخطيط لكل عمل راعوي وخاصة في مجال التواصل؛
  4. إن الفاعل الرئيسي لهذا التحول الإعلامي هو مكتب الأيبارشية للتواصل.

وفقاً لهذا يجب أن يكون في كل إيبارشية مكتب للتواصل الإجتماعي مؤلف من هيئة إدارية فعالة ورسمية، لتجنب الخطر في أن يصبح العمل التواصلي غير كنسي وغير فعال.

الكنيسة بحاجة إلى ثقافة رقمية

تعرف “الكنيسة التواصليّة” أن أدوات التواصل مثل موقع الويب أو البريد الإلكتروني هي ولادة “الشبكة الرقميّة” في الماضي. اليوم الإنترنت له منطق مختلف تمامًا عن المنطق السابق، حيث يمتلك الإنترنيت اليوم الويب 32.0 الذي لم يعد ثابتًا، ولكنه يعتبر نهجاً ديناميكياً تفاعلياً. هذا هو عصر الشبكات الاجتماعية، الذي أصبح الإنترنت فيه ومن خلاله مكانًا للمحتوى والمشاركة والتفاعل الذي ينشئه المستخدمون.

تتيح شبكات التواصل الاجتماعي القيام بأعمال إعلامية، أي تفعيل علاقات حقيقية مع الناس وخلق فرص ثمينة للشهادة على الأخبار السارة، والاستيطان في سيناريوهات كبيرة للتعبير عن جمال الإيمان. من أجل التواصل الفعال، ولهذا يجب على الجماعات الكنسية أن تستخدم ثقافتها الرقمية الخاصة.

حداثة الإعلام

قبل ظهور الـ Facebook، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تعتبر أدوات لإدارة العلاقات التي تم تطويرها في عالم افتراضي؛ ومع الـ Facebook، أصبحت الشبكات الاجتماعية فرصًا يستطيع المستخدمون من خلالها معالجة علاقاتهم الحقيقية وإعادة تشكيلها.

الكنيسة مدعوة أيضًا للعمل على الإنترنت على وجه التحديد، لأن الويب الذي تم تشكيله اليوم باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ليس عالمًا افتراضيًا أو موازيًا للعالم الحقيقي، ولكنه “جزء من الواقع اليومي لكثير من الناس كنتيجة التفاعل البشري”.

إن التحدي الحقيقي هو أن تبدأ الكنيسة في أن تكون أقل من “مجتمع افتراضي” وأكثر من “شبكة اجتماعية”، وأقل تخصصًا وأكثر إبداعًا، وأداة أقل للبث وأكثر من مكانًا للالتقاء.

الانفتاح على هذا “المنعطف الإعلامي”، لمنطق الاتصال، فإن “شبكة الويب والكنيسة واقعان مقدر لهما الالتقاء” ويمكن بل يجب للديناميكيات الراعوية أن تتشابك مع سيناريوهات الشبكات الاجتماعية لأن الكنيسة مدعوة لتظهر نفسها “حيث يطور الإنسان قدرته على المعرفة والعلاقة”.

لهذه الأسباب، سيتعين على المكتب الأيبارشي بذل الجهد لتعلم لغات وأشكال الاتصال الرقمي لتتوافق مع ديناميكيات وسائل التواصل الاجتماعي. وبالتالي تجنب المجازفة في جعل التبشير وصورة الكنيسة غير مهمين في نظر المجتمع، إلى جانب الوجود والعمل من الضروري أيضًا أن يكون لدينا هوية رقمية واضحة.

الخاتمة

 بالحقيقية نحن أمام عمل يتطلب الكفاءة والاستراتيجية وليس الارتجال. لا يكفي  فتح صفحة على الـ Facebook (أو أي ملف تعريف إجتماعي) وملئه بالروابط، يجب علينا أولاً أن نسأل أنفسنا (ماذا وكيف ولماذا) علينا التواصل وما هي الأهداف التي نريد أن نصل إليها. علينا أن نعرف بأن هذا العمل هو جهد لاهوتي رعوي يجب أن يبدأ به كل مكتب أيبارشي للتواصل.

من الضروري أيضاً التغلب على الاعتقاد بأن وسائل التواصل الاجتماعي ليست سوى “أداة” لنقل المعلومات أو نوعًا من الوسائل التي يمكن من خلالها التبشير بالإنجيل. لذلك، علينا تغيير المنظور لأن العمل الرقمي لا يعني القيام بنوع من “التعزيز التواصلي”، بل يعني تحقيق فعل إعلامي حقيقي.

في الختام، وبدلاً من القيام بـ “راعوية رقمية”، فإن الكنيسة مدعوة للقيام بـ “راعوية تواصليّة” لأن الكنيسة مثلها مثل البشرية جمعاء، تعتبر نفسها أيضًا وسيلة تواصليّة.

الأب يوسف يونو عجم الراهب

الهوامش:

  1. يقول “Ruggero Eugeni” لم يعد من الممكن تحديد بوضوح ما هو تواصلي وما هو غير ذلك؛ ولا يمكن تحديده عندما ندخل في موقف إعلامي وعندما نغادره، لأن وسائل الإعلام إنتشرت في كل مكان، بالحقيقة “نحن أنفسنا أصبحنا إعلام”. أنظر، Ruggero Eugeni, La condizione postmediale. Media, linguaggi e narrazioni, 2015.
  2. أنظر، Filippo Ceretti e Massimiliano Padula, Umanità mediale. Teoria sociale e prospettive educative, 2016.
  3. ويب 2.0 هو مصطلح يشير إلى مجموعة من التقنيات الجديدة والتطبيقات الشبكية التي أدت إلى تغيير سلوك الشبكة العالمية “إنترنت”. كلمة “web 2.0” سُمعت لأول مره في دورة نقاش بين شركة أوريلي ميديا الإعلامية المعروفة، ومجموعة ميديا لايف (MediaLive) الدولية لتكنولوجيا المعلومات في مؤتمر تطوير ويب الذي عُقد في سان فرانسيسكو في 2003 والتي ذكرها نائب رئيس شركة أورلي، دايل دويرتي (أوريلي ميديا) في محاضرة للتعبير عن مفهوم جيل جديد للشبكة العالمية. قبل ظهور مصطلح ويب 2.0، كان هناك ما يُسمى ويب 1.0 وويب 1.5. ويب 1.0 يتضمن صفحات لغة ترميز النص الفائق ثابتة (static) ونادرًا ما حُدِّثت. بعد ذلك جاءت ويب 1.5، وهي عبارة عن “ويب الديناميكية” والتي تكون فيها صفحات شبكة الإنترنت تُنشأ فورًا من محتويات قواعد البيانات باستخدام نظم إدارة المحتويات. ويب 2.0 هي أكثر من مجرد صفحات ويب ديناميكية، فهي تمثل شبكة اجتماعية وذات اعتمادية أكبر على المستخدمين، والمستخدمين هنا هم مستخدمي خدمات ويب الجديدة المتطورة والتي أنشأها خبراء الشبكة. وتعريف الموقع في ويب 2.0 هو موقعٌ بُني باستخدام عدد من تكنولوجيات ويب 2.0 الحديثة.

المقدمة

منذ البدء، وجدت الكنيسة الكاثوليكية نفسها منخرطة في عمل الكرازة والتعليم المسيحي، ووجدت من خلال أدوات الإتصال الدعم القوي لنشر قيمها ومبادئها، وتعزيز الحوار المسكوني بين الأديان، وبناء مجتمع يحترم كرامة الإنسان.

بالحقيقة ومن خلال التفاعل مع الأخبار المنشورة والمسموعة، يتضح سبب أهمية التواصل لكنيسة الألفية الثالثة، فالسؤال المطروح هو: لماذا أصبح التواصل دعمًا لا غنى عنه لفهم الثقافة المعاصرة، وكمساعدة لا غنى عنها في رسالة التبشير المناسبة للكنيسة التي يتجلى حضورها الاجتماعي بشكل متزايد للمجتمع من خلال وسائل الإعلام؟

تمثل دراسة التواصل في آلياتها داخليًا وخارجيًا اليوم تحديًا حقيقيًا للكنيسة عالميًا ومحليًا، من خلال مقارنة تعليم الأجيال الجديدة مع الثقافة الجديدة التي تولدها وسائل الإعلام، وللقيام بذلك، يجب على أولئك الذين يعملون في وسائل الإعلام الكنسيّة تعميق الصلة بين الإيمان والمهنة وإعادة اكتشاف المسؤولية المسيحية كجزء من المجتمع المعولم.

بالإضافة إلى ذلك، علينا أن نتعامل أيضًا مع الأماكن المشتركة التي تميز هذه العلاقة، تلك المتعلقة بموقف وسائل الإعلام تجاه الكنيسة، والتي تفتقر إلى الكثير من الخبرة والمعرفة بالقواعد المهنية للنظام الإعلامي، وهي مصدر الخلافات التي ينقسم عليها الرأي مع إيمان الجمهور؛ وتلك المتعلقة بموقف وسائل الإعلام تجاه الكنيسة، مثل اعتبار أن الصحافة تجد صعوبة في استيعاب البعد الروحي للحقيقة الإيمانية.

التواصل الكنسي

علينا أن نعلم أن التواصل الكنسي لديه عدة غايات منها: توصيل الإنجيل، وإعلام المؤمنين، وتعزيز الهويّة المسيحيّة والانتماء الكنسي، والتعامل مع الأجيال الجديدة، وفتح الحوار بين الناس. للقيام بكل هذا، ولإعطاء المعلومات الدينيّة التي توثق أنشطة الجماعات الكنسية المختلفة، نحتاج إلى احتراف مهني دقيق ومتأهب، ومعرفة معمقة بالواقع الكنسي.

ليس هناك شك في أن الكنيسة الكاثوليكيّة تصنع الأخبار المختلفة وتتحدث بمختلف المجالات منها السياسية والاقتصادية والأخلاقية …إلخ، حتى لو كانت مهمتها هي التبشير والتحدث عن الله، فإنها غالبًا ما تفعل ذلك أيضًا للتواصل مع المجتمع في وسائل الإعلام.

إن تحديد المبادئ التوجيهية للتواصل على المستوى المحلي الإيبارشي هو تتبع العملية التأسيسية للتواصل من خلال تحليل الوضع الإجتماعي لتحديد الأهداف والمحتويات الممكنة والأدوات وطرق التواصل؛ لذلك يتم تحديد الهيكل التنظيمي، وطرق الإعلان والتدريب بما يلزم من أنشطة المراقبة والتحقق والتقييم، والدخول في تفاصيل المواضيع الفردية، على سبيل المثال، ما الذي نفكر فيه عندما نتحدث عن متلقين للتواصل الداخلي مع الكنيسة؟ ما هو التواصل؟ من الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار؟ ما هي الأدوات المتاحة؟ ما هي المنهجيات؟ وهل هناك خطة تنظيميّة واستراتيجية شاملة؟

من بين الملاحظات العديدة والمهمة هي تلك المتعلقة بوظيفة الاستماع[1]، والتي هي لحظة تأهيل حتى لو تم تجاهلها في كثير من الأحيان لأي عملية تواصل.

يسمح لنا الاستماع “بالتحقق” من خلال جودة تداول المعلومات، أنواع المحتوى وتداولها واستخدامها المثالي، والأساليب وأدوات الاتصال التي يتعين إضفاء الطابع الرسمي عليها، ومساحات وطرق الاتصال غير الرسمي، والهيكل التنظيمي الداعم لتداول المعلومات، ومهارات العاملين (مهارات محددة ومهارات واسعة الانتشار).

مهما كانت الأدوات المستخدمة من: الإرسال (معلومات أحادية الاتجاه، الصحافة، الراديو، السينما، التلفزيون)، المعالجة (إدارة بيانات المعلومات)، التخزين (قواعد البيانات، الكتالوجات، الأدلة)، التحديث (تسهيل عمليات الاتصال وعقد المؤتمرات من خلال الشبكات الألكترونية عن بُعد)، كل هذه هي بحاجة لإستراتيجية تبرز وتحدد الهيكل التنظيمي المناسب لأهداف الاتصالات الداخلية والخارجية المحددة.

توجيهات مؤسساتية

لأجل توجيه المؤسسة وجعلها تعمل بشكل جيد على وجه الخصوص؛ علينا التعريف بهويتها وقيمها وأهدافها وخدماتها وتنظيمها وإجراءاتها؛ لتغيير الطريقة التنظيمية الموجودة والتدخل في جميع المناسبات التي تتاح فيها الفرصة للأعضاء للتعبير عن آرائهم، وهذا سيؤدي إلى إدراك التحدي الجديد الذي يشكله التواصل التنظيمي، لتلك المجموعة من العمليات الإستراتيجية والتشغيلية لإجل إنشاء وتبادل المعلومات والرسائل القيمة داخل شبكات العلاقات التي تشكل جوهر المؤسسة، والتي تشمل أعضاء داخليين في المجتمع (المتعاونين الداخليين)، والخارجيين (مواضيع خارجية محتملة).

من هذا المنطلق يصبح التواصل أداة أساسية لتطوير وعمل المؤسسة، ويسعى إلى الشفافية لتعريف المجتمع الكنسي الحقيقي (الهوية، وليس الصورة)، ويتيح الفرصة للتخطيط من خلال عدم الإشارة إلى الجمهور المستهدف فقط ولكن لأهداف إجتماعية.

أما التواصل التنظيمي فيشمل: تفعيل مبادرات التواصل في مختلف خطوط ووظائف المجتمع، وإدارتها من قبل الجهات المختصة وتحويلها إلى الداخل والخارج، ومبادرات التواصل بالمعنى الدقيق الذي تم إنشاؤه لإدارة ونشر أنشطة وأدوات التواصل، والمبادرات المتأصلة في النشاط الإداري والمبادرات الإدارية لمنظمات المجتمع.

في هذا السياق نذهب إلى التفكير في نشرة الأيبارشيّة، التي يُنظر إليها على أنها حافز، حيث لا ينبغي قراءة كل الأخبار بشكل سلبي ولكن أيضًا على أنها إثراء، لأن ما نكتبه يجب أن يجعلنا نتأمل ونشارك في المجتمع وفي الأسرة، للتواصل مع العائلات، وخلق مساحات للحوار، وطرح الأسئلة.

كما علينا ان نفكر أن نشرة الأبرشية يجب أن تكون صوت الشعب، ومصدرًا للأفكار ومحفزاً للحوار، ومروجًا لشبكة من العلاقات وأداة للمعلومات والتدريب، لتحقيق أقصى استفادة. كما أن صفحات الويب والرسائل الإخبارية والمنتديات الاجتماعية هي لحظات أخرى ذات اهتمام وتفاعل قويين على مستوى الأيبارشي تسمح أيضًا بتوسيع مستوى المواجهة “المحلية” التي تميز تواصل عصرنا.

الخاتمة

في الختام، علينا أن نعمل على إعطاء معنىً لحضور الكنيسة، مع توضيح أن الكنيسة كمؤسسة تعمل بشكل جيد للبشرية كونها حقيقة روحيّة وإنسانيّة تتصرف بأمانة وتسعى للحفاظ على الاستمرارية في المسيح.

يجب أن تكون وسائل الإعلام الكاثوليكيّة منتبهةً للأخبار والتدريب المستمر، وأن تكون قادرة على تعريف هوية المؤسسة الكنسيّة عن طريق نقل وجهات النظر المؤسساتيّة؛ لتوفير البيانات والسياق حول القضايا ذات الأهمية العامة، وتقديم عناصر للتفاهم والمناقشة والحوار الاجتماعي.

علينا أن نتغلب على تلك الرؤية المشوهة التي تقول إن الكنيسة كمؤسسة ليست أو لم تكن كما تدعي أنها؛ كهيكل، فإنها تسلط الضوء على جوانب تتعارض مع المجتمع الحديث والديمقراطي، مع التقدم والتسامح؛ كمؤسسة دينية ترحب بالأعضاء الذين لديهم القليل من السلوك الإنجيلي، يجب أن تكون وسائل الإعلام الكاثوليكية منتبه للغة التي تستخدمها.

إن التفكير في مجموعة المنتجات التحريرية المحلية والوطنية والتقليدية والتكنولوجية، أظهرت بعض الآمال في دور وسائل الإعلام الكاثوليكيّة، والتي لا ينبغي أن تؤثر على جدول الأعمال العلماني للمجتمع، إذ لا ينبغي أن تؤذي نفسها ولا يجب أن تفشل في الاستجابة للصعوبات التي يمكن للجميع رؤيتها.

الأب يوسف يونو عجم الراهب


[1] يعني الاستماع تفعيل العمليات التي تسمح لنا بفهم الاحتياجات والمشكلات التواصلية المختلفة في المجتمع.